الشيخ السبحاني
487
بحوث في الملل والنحل
وبعبارة ثانية : ذهب الحكماء إلى أنّ مناط الحاجة هو كون الشيء ( الماهيّة ) متساوي النسبة إلى الوجود والعدم ، وأنّه بذاته لا يقتضي شيئاً واحداً من الطرفين ، ولا يخرج عن حدِّ الاستواء إلّا بعلّة قاهرة تجرّه إلى أحد الطرفين وتخرجه عن حالة اللّااقتضاء إلى حالة الاقتضاء . فإذا كان مناط الحاجة هو ذاك ( إنّ الشيء بالنّظر إلى ذاته لا يقتضي شيئاً ) فهو موجود في حالتي الحدوث والبقاء ، والقول باستغناء الكون في بقائه عن العلّة ، دون حدوثه ، تخصيص للقاعدة العقليّة الّتي تقول : إنّ كلّ ممكن ما دام ممكناً ، بمعنى ما دام كون الوجود غير نابع من ذاته ، يحتاج إلى علّة ، وتخصيص القاعدة العقليّة مرفوض جدّاً . ويشير الحكيم المتألّه الشيخ محمد حسين الاصفهاني ( 1296 - 1361 ) في منظومته إلى هذا الوجه بقوله : والافتقار لازم الإمكان * من دون حاجة إلى البرهان لا فرق ما بين الحدوث والبقا * في لازم الذّات ولن يفترقا الوجه الثاني : إنّ القول بأنّ العالم المادّي بحاجة إلى العلّة في الحدوث دون البقاء ، يشبه القول بأنّ بعض أبعاد الجسم بحاجة إلى العلّة دون الأبعاد الأُخرى . فإنّ لكلِّ جسم بعدين ، بعداً مكانياً وبعداً زمانياً ، فامتداد الجسم في أبعاده الثلاثة ، يشكّل بعده المكاني . كما أنّ بقاءه في عمود الزمان يشكّل بعده الزماني . فالجسم باعتبار أبعاضه ذو أبعاد مكانيّة وباعتبار استمرار وجوده مدى الساعات والأيّام ذو أبعاد