الشيخ السبحاني
486
بحوث في الملل والنحل
على مقدور واحد . ولأجل إيضاح حال كلا الدليلين نبحث عن كلّ منهما مستقلّا . مناط الحاجة إلى العلّة هو الإمكان لا الحدوث إنّ هذا الأصل ( كون مناط الحاجة إلى العلّة هو الحدوث لا الإمكان ) الّذي بنت عليها المفوِّضة نظريّتهم في أفعال العباد ، بل وآثار كلِّ الكائنات ، باطل من وجوه : الوجه الأوّل : إنّ مناط حاجة المعلول إلى العلّة هو الإمكان ، أي عدم كون وجوده نابعاً من ذاته ، أو كون الوجود والعدم بالنسبة إلى ذاته متساويين ، وهذا الملاك موجود في حالتي البدء والبقاء . وأمّا الحدوث فليس ملاكاً للحاجة فإنّه عبارة عن تحقّق الشّيء بعد عدمه ومثل هذا ، أمر انتزاعيّ ينتزع بعد اتّصاف الماهيّة بالوجود ، وملاك الحاجة يجب أن يكون قبل الوجود لا بعده . إنّ الحدوث أمر منتزع من الشيء بعد تحقّقه ، ويقع في الدرجة الخامسة من محلّ حاجة الممكن إلى العلّة ، وذلك لأنّ الشيء يحتاج أوّلًا ، ثمّ تقترنه العلّة ثانياً ، فتوجده ثالثاً ، فيتحقّق الوجود رابعاً ، فينتزع منه وصف الحدوث خامساً . فكيف يكون الحدوث مناط الحاجة الّذي يجب أن يكون في المرتبة الأُولى ، وقد اشتهر قولهم : الشيء قرّر ( تصوّر ) ، فاحتاج ، فأُوجد ، فوجد ، فحدث .