الشيخ السبحاني
470
بحوث في الملل والنحل
أقول : إنّ التفصيل بين القدرة على الحسن والقدرة على القبيح ، موهون جدّاً ، وناشٍ عن عدم التعرّف على مفهوم القدرة ، فإنّها تستعمل فيما إذا كان الفاعل بالنسبة إلى الفعل والترك متساوياً ، وإلّا لما وصف بالقدرة ، بل بالإيجاب . فلو كان قادراً على إدخال المطيع إلى الجنّة ، ولم يكن قادراً على إدخاله في النار لما وصف بالقادر ، بل كان فاعلًا موجباً ، وبذلك يعلم حال عدّة من المسائل الّتي اختلف فيها المعتزلة ، وإليك عناوينها : 1 - ذهب عبّاد بن سليمان إلى عدم قدرته تعالى على خلاف معلومه ، قائلًا بأنّ ما علم وقوعه يقع قطعاً ، فهو واجب الوقوع ، وما علم عدم وقوعه لا يقع قطعاً ، فهو ممتنع الوقوع . يلاحظ عليه : أنّ معناه نفي القدرة وتوصيفه سبحانه بالإيجاب أوّلًا ، وأن تعلّق العلم بوقوعه لا يخرجه عن الاختيار ثانياً ، لأنّه تعلّق بصدوره عنه سبحانه اختياراً لا اضطراراً وإيجاباً ، وقد قلنا نظير ذلك في تعلّق علمه سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم . فلاحظ « 1 » . 2 - ذهب البلخي إلى عدم قدرته تعالى على مثل مقدور العبد ، لأنّه إمّا طاعة ، أو معصية ، أو عبث . وهو منزّه عن أن يكون مطيعاً ، أو عاصياً ، أو عابثاً . وقد غفل عن أنّ الإطاعة والمعصية ، ليستا من الأُمور الحقيقيّة الدخيلة في ماهيّة العمل ، فلو قام إنسان كالخليل لبناء بيت امتثالًا لأمره سبحانه ، فاللَّه
--> ( 1 ) . لاحظ الجزء الثاني : ص 357 - 358 ، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه .