الشيخ السبحاني

471

بحوث في الملل والنحل

سبحانه يقدر على إيجاد بيت مثله ، والفعلان متّحدان ماهيّة وهيئة ، وإن كان الأوّل مصداقاً للإطاعة دون الآخر . وبعبارة أُخرى : أنّ الإطاعة أمر انتزاعيّ ينتزعه العقل من مطابقة المأتي به لما أمر به المولى ، وعلى هذا فهناك واقعيّتان : الأوّل : الأمر ، الثاني : المأتيّ به ، وأمّا الموافقة والمخالفة فهما أمران ذهنيّان يتواردان على الذهن من ملاحظتهما ، فإن وجد بينهما المشابهة أو المخالفة يعبّر عن الأُولى بالطاعة ، وعن الثانية بالعصيان ، وليس لهما واقعيّة وراء الذهن ، فلا تكون الحقيقة الخارجيّة سواء صدرت عن اللَّه سبحانه ، أو عن عباده ، أمرين متباينين . 3 - ذهب الجبّائيان إلى عدم قدرته تعالى على عين مقدور العبد ، وإلّا لزم اجتماع النقيضين إذا أراده اللَّه وكرهه العبد ، أو بالعكس . يلاحظ عليه : أنّه كان على القائل الاستدلال بوجه آخر ، وهو أنّه يلزم حينئذ اجتماع العلّتين على معلول واحد . ومع ذلك كلّه ، فما جاء في الاستدلال نشأ من فكرة ثنويّة ناشئة عن مبادئ الاعتزال ، فتخيّل أنّ فعل العبد يجب أن يكون مخلوقاً للعبد وحده ولا يكون للَّه سبحانه فيه شأن ، لما أنّ هناك فاعلين مستقلّين : « اللَّه » و « الإنسان » ، ولكلّ مجاله الخاص . وعند ذلك لا يرتبط مقدور العبد باللَّه سبحانه كما لا يرتبط مقدوره بعباده ، ولكنّه باطل ، لما عرفت من أنّ العلّتين ليستا عرضيّتين بل طوليّتين ، فالعلل الإمكانيّة في طول العلّة الواجبة ، وبما أنّه تنتهي العلل إلى الواجب ، يكون مخلوق العبد مخلوقه سبحانه .