الشيخ السبحاني
463
بحوث في الملل والنحل
الأوّلية الراجعة إلى العقل العملي إلّا لأجل أنّه يجدها إمّا ملائمة للجانب العالي من الإنسانيّة ، المشترك بين جميع أفراد الإنسان ، أو منافرة له . وبذلك تصبح قضيّة التحسين والتقبيح في قسم من الأفعال ، قضيّة كلّية لا تختصّ بزمان دون زمان ، ولا جيل دون جيل . بل لا تختصّ - في كونها كمالًا أو نقصاً - بالإنسان بل تعمّ الموجود الحيّ المدرك المختار ، لأنّ العقل يدركها بصورة قضيّة عامّة شاملة لكلّ من يمكن أن يتّصف بهذه الأفعال كالعدل والظلم ، فهو يدرك أنّ الأوّل حسن عند الجميع ومن الجميع ، والثاني قبيح كذلك ، وليس للانسان خصوصيّة في ذلك القضاء . وبذلك يصبح المدّعي للتحسين والتقبيح العقليّين الذاتيّين في غنى عن البرهنة لما يتبنّاه ، كما أنّ المدّعي لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما كذلك . والعجب أنّ الحكماء والمتكلّمين اتّفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظريّة في العقل النظري إلى قضايا بديهيّة ، وإلّا عقمت الأقيسة ولزم التسلسل في مقام الاستنتاج ، ولكنّهم غفلوا عن إجراء ذلك الأصل في جانب العقل العملي ولم يقسّموا القضايا العمليّة إلى فكرية وبديهيّة ، أو نظريّة وضروريّة . كيف والاستنتاج والجزم بالقضايا الواردة في مجال العقل لا يتمّ إلّا إذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال . فالمسائل المطروحة في الأخلاق ممّا يجب الاتصاف به أو التنزّه عنه ، أو المطروحة في القضايا البيتيّة والعائليّة الّتي يعبّر عنها بتدبير المنزل ، أو