الشيخ السبحاني
464
بحوث في الملل والنحل
القضايا المبحوث عنها في علم السياسة وتدبير المدن ، ليست في الوضوح على نمط واحد ، بل لها درجات ومراتب . فلا ينال العقل الجزم بكلّ القضايا العمليّة إلّا إذا كانت هناك قضايا بديهيّة واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العمليّة حتّى يحصل الجزم بها ويرتفع الإبهام عن وجهها . ولأجل ذلك فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليّين في غنى عن التوسّع في طرح أدلّة القائلين بهما . وبهذا البيان يستغني الإنسان عن كثير من الأدلّة الّتي أقامها القائلون بالحسن والقبح ، سواء أكانت صحيحة أم لا . نظير ما ربّما يقال من أنّ أحدنا لو خيّر بين الصدق والكذب وكان النفع في أحدهما كالنفع في الآخر وقيل له : إن كذبت أعطيناك درهماً وإن صدقت أعطيناك درهماً ، فإنّه قطُّ لا يختار الكذب على الصدق . ليس ذلك إلّا لعلمه بقبحه وبغناه عنه . « 1 » يلاحظ عليه : أنّ اختيار الصِّدق على الكذب يمكن أن يكون مستنداً إلى أمر آخر ، وهو كون الصِّدق مطابقاً للفطرة والكذب على خلافها . ولأجل ذلك لا يختار الصبي إلّا الصِّدق وليس ذلك لأجل العلم بقبح الكذب . هذا كلّه حول الأمر الأوّل . وأمّا الأمر الثاني : أعني كونه سبحانه عالماً بحسن الأشياء وقبحها ، فقد استدلّ عليه القاضي بأنّه تعالى عالم لذاته ، ومن حقِّ العالم لذاته - أن يعلم جميع المعلومات على الوجوه الّتي يصح أن تعلم عليها . ومن الوجوه الّتي
--> ( 1 ) . شرح الأُصول الخمسة : 303 .