الشيخ السبحاني
372
بحوث في الملل والنحل
المراحل ، حتّى في مرحلة الجزء الأخير من العلّة التامّة للفعل كما إذا اشترك الفاعلان معاً في إنقاذ غريق أو قتل إنسان ، وأمّا إذا كان أحدهما هو الجزء المؤثّر دون الآخر فيكون هو المسؤول ، وعليه الثواب والعقاب ، وهذا هو الأمر بين الأمرين ، والعبد غير مجبور ولا مفوّض ، والتّفصيل في محله . روى المرتضى أنّه سأل مجبر بشر بن المعتمر وقال له : « أنتم تحمدون اللَّه على إيمانكم ؟ قال : نعم ، فقال له : فكأنّه ( اللَّه ) يحبُّ أن يحمد على ما لم يفعل وقد ذمّ ذلك في كتابه . فقال له : إنّما ذمّ من أحبّ أن يحمد على ما لم يفعل ممّن لم يعن عليه ، ولم يدع إليه . وهو يشغب إذ أقبل ثمامة بن أشرس ، فقال بشر للمجبر : قد سألت القوم وأجابوك ، وهذا أبو معن فاسأله عن المسألة ، فقال له : هل يجب عليك أن تحمد اللَّه على الإيمان ؟ فقال : لا ، بل هو يحمدني عليه ، لأنّه أمرني به ففعلته ، وأنا أحمده على الأمر به ، والتقوية عليه ، والدعاء إليه ، فانقطع المجبر ، فقال بشر : شنُعتْ فسهُلت » « 1 » . وقال يوماً للمأمون : « إذا وقف العبد بين يدي اللَّه تعالى يوم القيامة فقال اللَّه تعالى : ما حملك على معصيتي ؟ فيقول على مذهب الجبر : يا ربِّ أنت خلقتني كافراً وأمرتني بما لم أقدر عليه ، وحلت بيني وبين ما أمرتني به ونهيتني عمّا قضيته عليّ وحملتني عليه أليس هو بصادق ؟ قال : بلى ، قال : فإنّ اللَّه تعالى يقول : « يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ » « 2 » أفينفعه هذا الصدق ؟
--> ( 1 ) . أمالي المرتضى : 1 / 186 ؛ فضل الاعتزال : 273 وفي المصدر الأخير : « سهّلت بعد ما صعبت » . ( 2 ) . المائدة : 119 .