الشيخ السبحاني
340
بحوث في الملل والنحل
البدن ، ولكنّه يظهر منه كون حقيقة الإنسان هي روحه ، وأنّ واقعيَّته وشخصيّته بروحه لا بجسده . قال سبحانه : « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » « 1 » . إنّ كلمة « التوفّي » لا تعني الإماتة كما هو معروف ، بل تعني الأخذ والقبض ، فقوله سبحانه « يَتَوَفَّاكُمْ » بمعنى يأخذكم ويقبضكم ، فالآية ظاهرة في أنّ ملك الموت يأخذ الإنسان كلّه ، ويكون محفوظاً عند ربّه ، وهذا إنّما يتمّ ولو كان حقيقة الإنسان هو روحه ونفسه ، لا روحه وجسمه ، وإلّا يكون المأخوذ بعض الإنسان وجزءه ، لوضوح أنّ ملك الموت يأخذ أحد الجزءين وهو الروح ويترك الجزء الآخر وهو يودع في القبر الّذي لا علاقة لملك الموت به . وما رتّب البغدادي على نظريّة النظّام من الإشكالات لا يستحقّ الردّ والنقد . إذا عرفت هذين النموذجين الّذين عدّهما البغدادي من فضائح النظّام - وليسا منها - فعند ذا يتبيّن وجوب دراسة آراء ذلك الرجل في جوّ هادئ بعيد عن الحقد والبغض حتّى يتّضح الحقّ عن الباطل ، مع أنّه لا مصدر لنسبة هذه الآراء إلّا كتب الأشاعرة وبصورة ناقصة « الانتصار » لأبي الحسين الخيّاط ، وليس كتابنا هذا كتاباً كلاميّاً وإنّما هو كتاب تأريخ العقائد ولأجل ذلك نكتفي بهذا المقدار ، غير أنّه نرى من الواجب التعرّض لعقيدة منسوبة إليه في إعجاز القرآن المعروفة بمذهب الصِّرفة .
--> ( 1 ) . السجدة : 11 .