الشيخ السبحاني
229
بحوث في الملل والنحل
الفضل ، لأنّه أتى بعد هدوء الفورة الّتي حدثت ضدّ الاعتزال . فلنتصوّر الآن ما ذا كان لو سار المسلمون على منهج الاعتزال إلى اليوم ؟ . أظنّ أنّ مذهب الشكّ والتجربة واليقين بعدهما كان يكون قد ربى وترعرع ونضج في غضون الألف سنة الّتي مرّت عليه ، وكنّا نفضّل الأروبيّين في فخفختهم وطنطنتهم بالشكّ والتجربة الّتي ينسبانها إلى « بيكن » مع أنّه لم يعمل أكثر من بسط مذهب المعتزلة . وكان هذا الشكّ وهذه التجربة مما يؤدّي حتماً إلى الاختراع وبدل تأخّر الاختراع إلى ما بعد بيكن وديكارت ، كان يتقدم مئات من السنين ، وكان العالم قد وصل إلى ما لم يصل إليه إلى اليوم ، وكان وصوله على يد المسلمين لا على يد الغربيّين ، وكان لا يموت خلق الابتكار في الشرق ويقتصر على الغرب . فقد عهدنا المسلمين بفضل منهج المحدِّثين يقتصرون على جمع متفرّق أو تفريق مجتمع ، وقلّ أن نجد مبتكراً كابن خلدون الّذي كانت له مدرسة خاصّة ، تلاميذها الغربيّون لا الشرقيون . فالحقّ أن خسارة المسلمين بإزالة المعتزلة من الوجود كانت خسارة كبرى لا تعوّض . ثمّ بدأ المسلمون ينهجون منهج الحضارة الغربيّة تقليداً من الخارج لا بعثاً من الداخل ، وشتّان ما بينهما ، فالتقليد للخارج بثّ فيهم ما يسمّيه علماء النفس مركب النقص ، فهم يرون أنّهم عالة على الغربيّين في منهجهم ، ولو