ابو فراس
14
الإيضاح
وانّما سميت الأرواح الناطقة انسانا لظهور قدرتها وأفعالها من بين جميع الأرواح الغير ناطقة ، ويقول : آنست كذا ، اي ظهر لي شيئا فأبصرته ، وقد قال جلّ وعز حكاية عن موسى : وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً اي أبصرت نارا ومن هاهنا سمي الأنس انسانا ، لان بالروح الناطقة يطاق نفي الوحشة والائتلاف والانس ، وقد جاء في الحديث ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : إذا جاء الليل استأنس كل انس ، واستوحش كل وحش ، معناه : أهل الباطن الذين هم انس بالقوة ينتفعون بأرواحهم الناطقة لاستئناسهم بمذهب اللب ، وأهل القشرية الذين هم شياطين بالقوة لا ينتفعون بها ، لاستيحاشهم « 1 » من اللب ، وتشبههم بالانعام والوحوش ، ومن هاهنا قيل آنست من فلان علما وعقلا وحزما اي أبصرت منه ، ففي المعقول يعلم أنه لا يبصر عقله ولا علمه ، وانما يبصر آثار علمه . وأفعال عقله ، وكذلك الانس بالقوة لا يبصرهم أحد من الجسمانيين ، وانما يبصرون آثارهم وأفعالهم . وقد روي عن ابن عبّاس أنه قال : انما سمي الانسان انسانا لأنه عهد إليه فنسي ، وكذلك قال اللّه عز وجل : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً . والقالب هو قشر الانسان بالقوة ، فلذلك سمي القالب انسانا على جهة الاستعارة والمجاز لا على جهة الحقيقة ، وهذا سائر في لسان العرب ان يسموا الشيء باسم شيء آخر إذا كان مجاورا له ودانيا منه ، لان الاسم الواقع على القالب دون الروح هو البشر فهو يطلق ان يباشر ويرى ، ومنه قيل ظاهر الوجه والجسد بشرة ، والجميع بشر ، وجماعة الجمع ابشار ، ومنه اشتقت مباشرة الرجل والامرأة ، ليعلم ابشارهما وملامستهما ، وقد جاء في الحديث انه يكره مباشرة الرجلين في لحاف واحد اي نومهما حيث تماس ابشارهما وملامستهما ، ومن هاهنا قيل للسلطان انه معذب الابشار « 2 » وضاربها ولا يطيق تعذيب
--> ( 1 ) في نسخة ق وردت استوحاشهم . ( 2 ) في نسخة م وردت البشر .