عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

78

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة ، يقول : اسمع ما يقال لك ، فإذا بلغ حفرته دفن معه . ومن طريق داود العطار ، عن أبي نجيح ، قال : ما من ميّت يموت إلا وروحه بيد ملك ينظر إلى جسده ، كيف يغسّل ويكفّن ، ويمشي به إلى قبره ، ثم تعاد إليه روحه ، فيجلس في قبره . وكذلك قال أبو صالح وغيره ، من السلف في قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 28 ] ، فدلّ على أن الحياة الأولى هي القبر للسؤال ، وإن كان الأكثرون خالفوا في ذلك . فهؤلاء السلف كلهم صرحوا بأن الروح تعاد إلى البدن عند السؤال ؛ وصرّح بمثل ذلك طوائف من الفقهاء والمتكلمين من أصحابنا ، وغيرهم ، كالقاضي أبي يعلى وغيره ، وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره ، وذكر أن السؤال للروح خاصة ، وكذلك سماع الخطاب ، وأنكر ألّا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره ، وقالوا : لو كان ذلك حقا للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات ، والقرآن دلّ على أنهما موتتان وحياتان ، وهذا ضعيف جدا ؛ فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث ، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن ، بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما ، وليس هو حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتا تاما ، وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ، ورجوعها إليه ، فإن ذلك يسمى موتا وحياة . كما كان يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا استيقظ : « الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا ، وإليه النشور » « 1 » . وسماه اللّه تعالى وفاة ، لقوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى الآية [ الزمر : 42 ] ، ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيا ، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيا حياة مطلقة . وممن رجّح هذا القول - أعني السؤال والنعيم والعذاب للروح خاصة - من أصحابنا ابن عقيل وأبو الفرج ابن الجوزي في بعض تصانيفهما ، واستدلّ ابن عقيل بأن أرواح المؤمنين تنعم في حواصل طير خضر ، وأرواح الكفار في حواصل طير سود ، وهذه الأجساد تبلى فدلّ ذلك على أن الأرواح تنعم وتعذب في أجساد أخر ، وهذا لا حجة فيه لأنه لا ينافي اتصال الروح ببدنه أحيانا مع فنائه واستحالته . واستدل طائفة ممن ذهب إلى هذا القول بما روى منصور بن عبد الرحمن ، عن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6312 ) و ( 6314 ) و ( 6324 ) .