عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

79

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

أمه ، قال : دخل ابن عمر المسجد ، وابن الزبير قد قتل وصلب ، فقيل له : هذه أسماء بنت أبي بكر في المسجد ، فقال لها : اصبري فإن هذه الجثة ليست بشيء ، وإنما الأرواح عند اللّه . فقالت : وما يمنعني من الصبر ، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل . وروى ابن أبي الدنيا ، من طريق ابن عمر - صاحب السّلفي - قال : نزل ابن عمر إلى جانب قبور دارسة ، فنظر إلى قبر منها ، فإذا هو بجمجمة بادية ، فأمر رجلا فواراها ، قال : إن هذه الأبدان ليس يضرّها الثرى شيئا ، وإنما الأرواح التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة . وروى محمد بن سعد ، عن الواقدي ، حدّثني ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، قال : لما انهزمت الروم يوم أجنادين ، انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان ، فجعلت الروم تقاتل عليه ، فتقدّم هشام بن العاص فقاتلهم حتى قتل ، ووقع على تلك الثلمة فسدّها ، فلما انتهى المسلمون إليها ، هابوا أن يوطؤه الخيل ، فقال عمرو بن العاص : إن اللّه قد استشهده ورفع روحه وإنما هو جثة فأوطئوه الخيل ، ثم أوطأه وتبعه الناس حتى قطعوه . وهذه الآثار لا تدل على أن الأرواح لا تتصل بالأبدان بعد الموت ، إنما تدل على أن الأجساد لا تتضرر بما ينالها من عذاب الدنيا ، وإنما هو نوع آخر يصل إلى الميت بمشيئة اللّه وقدرته . وقولهم : الأرواح عند اللّه تعالى تعاقب وتثاب لا ينافي أن تتصل بالبدن أحيانا ، فيحصل بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب ؛ وقد تستقل الروح أحيانا بالنعيم والعذاب ؛ إما عند استحالة الجسد أو قبل ذلك . وقد أثبتت طائفة أخرى النعيم والعذاب للجسد بمجرده ، من غير اتصال الروح له ، ومن ذكر ذلك من أصحابنا : ابن عقيل في كتاب ( الإرشاد ) ، وابن الزاغوني ، وحكي عن ابن جرير الطبري - أيضا - ، وذكر القاضي أبو يعلى أنه ظاهر كلام الإمام أحمد ، فإنه قال في رواية حنبل : أرواح المؤمنين في الجنة ، وأرواح الكفار في النار ، والأبدان في الدنيا يعذب اللّه من يشاء ، ويرحم من يشاء منها بعفوه . قال القاضي : ظاهر هذا أن الأرواح تعذب وتنعم على الانفراد ، وكذلك الأبدان إذا كانت باقية أدى إلى الأجزاء التي استحالت . قال : ولا يمنع أن يخلق في الأبدان إدراك تحسّ به النعيم والعذاب ، كما خلق في الجبل لما تجلى له ربّه ثم جعله دكا . وقال القاضي أبو الحسين : ولأنه لما لم يستحلّ نطق الذراع المسموم ، ولم يستحل عذاب الجسد البالي ، وإيصال العذاب إليه بقدرة اللّه تعالى .