عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

18

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

وروينا من طريق مزداد بن جميل قال : قال أبو المغيرة : ما رأيت مثل المعافى بن عمران بعد ما دفن ، فسمعته وهو يلقن في قبره ، وهو يقول : لا إله إلا اللّه ، فيقول المعافى : لا إله إلّا اللّه . وخرّج ابن أبي الدنيا في كتاب ( القبور ) من حديث مرثد بن حوشب قال : كنت جالسا عند يوسف بن عمرو ، وإلى جانبه رجل كأن شقّ وجهه صفحة من حديد ، فقال له يوسف : حدّث مرثدا بما رأيت ، قال : كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش فلما وقع الطاعون ، قلت : أخرج إلى ثغر من هذه الثغور ، ثم رأيت أن أحفر القبور فإذا بي بليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت قبرا وأنا متكئ على تراب قبر آخر ، إذ أقبل بجنازة رجل حتى دفن في ذلك القبر ، وسوينا عليه التراب ، فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين ، حتى سقط أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه ، ثم أثاراه ثم تدلى أحدهما في القبر ، والآخر على شفيره ، قال : فجئت فجلست على شفير القبر ، وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء ، قال : فضرب بيده إلى حقوه ، فسمعته يقول : ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصّرين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء ؟ فقال : أضعف من ذلك ، فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء أو دهنا . قال : ثم عاد فعاد عليه مثل القول الأول ، حتى ضربه ثلاث ضربات ، كل ذلك يقول له ويذكر أن القبر يفيض ماء أو دهنا ، قال : ثم رفع رأسه فنظر إليّ فقال : انظر أين هو جالس أبلسه اللّه ، قال : ثم ضرب جانب وجهي فسقطت ، فمكثت ليلتي حتى أصبحت . قال : ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله ، وأذكر جلوسي ، وذكر نحو هذا أو شبهه ، وكذلك شواهد اتساع اللحد وانفراجه « 1 » . وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ( المحتضرين ) بإسناده عن أبي غالب صاحب أبي أمامة ، أن فتى بالشام حضره الموت ، فقال لعمه : أرأيت لو أن اللّه دفعني إلى والدتي ، ما كانت صانعة بي ؟ قال : إذا واللّه تدخلك الجنة . فقال : واللّه للّه أرحم بي من والدتي ، فقبض الفتى ، فجزع عليه عبد الملك بن مروان ، قال : فدخلت القبر مع عمه فخطّوا له خطا فلم يلحدوه ، قال : فقلنا باللبن ، فسويناه عليه ، فسقطت لبنة ، فوثب عمه فتأخر ، قلت : ما شأنك ؟ قال : ملئ قبره نورا ، وفسح له مدّ بصره . وبإسناده عن محمد بن أبان ، عن حميد ، قال : كان لي ابن أخت فذكر شبها بهذه الحكاية ، إلا أنه قال : فاطلعت في اللحد ، فإذا هو مدّ بصري ، قلت لصاحبي : رأيت ما رأيت ؟ قال : نعم فليهنئك ذلك . قال : فظننت أنه بالكلمة التي قالها . وروى في كتاب ( ذكر الموت ) بإسناده ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن الأشياخ

--> ( 1 ) أخرج القصة ابن أبي الدنيا في « القبور » ( رقم : 98 ) ، وذكرها ابن القيم في « الروح » .