عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

141

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

وخرّج الترمذي ، من حديث ابن عمر ، قال : أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمنكبي ، وقال : « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، وعدّ نفسك من أهل القبور » « 1 » . وخرج البخاري أوله « 2 » . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن أبي سريج الشامي ، قال : قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه : يا فلان قد أرقت الليل متفكرا ، قال : فيم يا أمير المؤمنين ؟ قال : في القبر وساكنه ، لو رأيت الميت بعد ثالثة في القبر لاستوحشت من قربه ، بعد طول الأنس منك بناحيته ، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ، ويجري فيه الصديد ، وتخترقه الديدان ، مع تغير الرائحة ، وبلى الأكفان ، بعد حسن الهيئة ، وطيب الرائحة ، ونقاء الثوب ؛ قال : ثم شهق شهقة خرّ مغشيا . وعن محمد بن كعب القرظي ، قال : بعثت إلى عمر بن عبد العزيز ، فقدمت إليه ، فأدمت النظر إليه ، فقال : يا ابن كعب ، إنك لتنظر إليّ نظرا ما كنت تنظره إليّ بالمدينة . قلت : أجل يا أمير المؤمنين ، يعجبني ما حال من لونك ، وما حال من جسمك . قال : فكيف بك يا ابن كعب لو رأيتني بعد ثالثة في القبر ، وقد ثبتت عيناي على وجنتي ، وخرج الصديد والدود من منخري ، لكنت لي أشد نكرة « 3 » . وعن وهب بن الورد ، قال : بلغنا أن رجلا فقيها دخل على عمر بن عبد العزيز ، فقال : سبحان اللّه ، كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه ، وقال له : تغيّرت بعدنا ! فقال له : وتبيّنت ذلك فعلا ؟ فقال له : الأمر أعظم من ذلك ، فقال له : يا فلان فكيف لو رأيتني بعد ثلاث ، وقد أدخلت قبري ، وقد خرجت الحدقتان فسالت على الخدين ، وتقلّصت الشفتان عن الأسنان ، وانفتح الفم ، نتأ البطن ، فعلا الصدر ، وخرج الصديد من الدبر . وعن شيبة ابن أبي حمزة ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض مدائن الشام : أمّا بعد ؛ فكم للتراب في جسد ابن آدم من مأكل ، وكم للدود فيه من طريق مخترق ، وإني أحذّركم ونفسي - أيها الناس - العرض على اللّه عز وجل . وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده ، أن عمر بن عبد العزيز شيّع مرّة جنازة من أهله ، ثم أقبل على أصحابه ووعظهم ، فذكر الدنيا فذمها ، وذكر أهلها ، وتنعمهم فيها ، وما صاروا إليه بعدها من القبور ، فكان من كلامه أنه قال : إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديا ، وادعهم إن كنت داعيا ، ومرّ بعسكرهم ، وانظر إلى تقارب

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2435 ) وابن ماجة ( 4114 ) وضعفه الألباني بهذه الزيادة . ( 2 ) برقم ( 6416 ) . ( 3 ) « القبور » ( رقم : 115 ) بإسناد ضعيف جدا كما قال محققه .