عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
142
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
منازلهم ، سل غنيهم : ما بقي من غناه ؟ وسل فقيرهم : ما بقي من فقره ؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون ، وعن الأعين التي كانوا للّذات بها ينظرون ، وسلهم عن الجلود الرقيقة ، والوجوه الحسنة ، والأجساد الناعمة ، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان ، وأكلت اللحان وعفرت الوجوه ، ومحت المحاسن ، وكسرت الفقارة ، وبانت الأعضاء ، ومزقت الأشلاء ، وأين حجابهم وقبابهم ؟ وأين خدمهم وعبيدهم ؟ وجمعهم وكنوزهم ؟ وكأنهم ما وطئوا فراشا ، ولا وضعوا هنا متكأ ، ولا غرسوا شجرا ، ولا أنزلوهم من اللحد قرارا ، أليسوا في منازل الخلوات ؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء ؟ قد حيل بينهم وبين العمل ، وفارقوا الأحبة ، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية ، وأجسادهم من أعناقهم بائنة ، أوصالهم ممزقة ، وقد سالت الحدق على الوجنات ، وامتلأت الأفواه دما وصديدا ، ودبّت دواب الأرض في أجسادهم ، ففرقت أعضاءهم ، ثم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما ، فقد فارقوا الحدائق ، وصاروا بعد السعة إلى المضائق ، قد تزوجت نساؤهم ، وتردّدت في الطرق أبناؤهم ، وتوزّعت القرابات ديارهم وقراهم ، فمنهم واللّه الموسع له في قبره ، الغضّ الناظر فيه المتنعم بلذته ، يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك في الدنيا ؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد ؟ وأين ثمارك الينعة ؟ وأين رقاق ثيابك ؟ وأين طيبك ونحورك ؟ وأين كسوتك لصيفك ولشتائك ؟ أما رأيته قد زل به الأمر ، فما يدفع عن نفسه مدخلا ، وهو يرشح عرقا ، ويتلمظ عطشا ، يتقلب في سكرات الموت وغمراته ، جاء الأمر من السماء ، وجاء غالب القدر والقضاء . هيهات : يا مغمّض الوالد والأخ والولد ، وغاسله ، يا مكفّن الميت ويا مدخله في القبر ، وراجعا عنه ، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى ، يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت ، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا ، وما يأتيني به من رسالة ربي . ثم انصرف فما عاش بعد ذلك إلا جمعة . وقد روي عنه من وجوه متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها رحمة اللّه عليه : ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، ثم يرمها بعدكم الباقون ، كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين ، وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا ، قد قضى نحبه فتودعونه ، وتدعونه في صدع من الأرض ، غير ممهّد ولا موسد ، قد فارقه الأحباب ، وخلع الأسباب ، وسكن التراب ، وواجه الحساب ، غنيا عما خلف ، فقيرا إلى ما قدم . وكان ينشد هذه الأبيات : من كان حين تصيب الشمس جبهته * أو الغبار يخالف الشّين والشّعثا ويألف الظلّ كي تبقى بشاشته * فكيف يسكن يوما راغما جدثا في ظلّ مقبرة غبراء مظلمة * يطيل تحت الثّرى في غمّه اللبثا