عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
118
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
بصعقة الطور أم بعث قبلي » . وفي رواية : « أو كان ممن استثنى اللّه » « 1 » . ولأن حياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء ، بلا ريب ، فشملهم حكم الأحياء أيضا ، ويصعقون مع الأحياء حينئذ ، لكن صعقة غشي لا صعقة موت ، إلا موسى تردد فيه أصعق أم كان ممن استثنى اللّه ، فلم يصعق مجازاة له بصعقة الطور ، لكن على هذا التقدير فموسى مبعوث قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم لا محالة ، فكيف يتردد النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك كله ؟ ! والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين : أحدهما : أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد ، أو هي الطير التي تكون في حواصلها ، فيكمل بذلك نعيمها ، ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد ، فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل اللّه ، فعوّضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ . والثاني : أنهم يرزقون من الجنة ، وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك ، فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة . وروي يعلقون بفتح اللام وضمها ، فقيل : إنهما بمعنى وأنّ المراد الأكل من الشجر . قال ابن عبد البر : وقيل : رواية الضم معناها الأكل ، ورواية الفتح معناها التعلق . ذكره ابن الجوزي . وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل ، واللّه أعلم . وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروض عرض لا تبقى بعد الموت ، وحملوا ما ورد من عذاب الأرواح ونعيمها بعد الموت على أحد أمرين : 1 - إما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن . 2 - أو على أن يخلق في بدن آخر . وهذا الثاني باطل قطعا ، لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت ، مع روح غير روحه ، فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ، ولا ينعمان أيضا ، وهذا باطل قطعا ، والأول باطل - أيضا - بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له ، وهي كثيرة جدا ، وقد سبق ذكر بعضها . وقد احتج بعضهم على فناء الأرواح وموتها بما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا دخل المقابر قال : « السّلام عليكم أيتها الأرواح الفانية ، والأبدان البالية ، والعظام النخرة ، التي خرجت من الدنيا وهي باللّه مؤمنة ، اللهم أدخل عليهم روحا منك وسلاما منا » . وهذا حديث خرّجه ابن السني ، من حديث عبد الوهاب بن جابر التيمي ، حدّثنا حبان بن علي ، عن الأعمش ، عن أبي رزين ، عن ابن مسعود ، عن
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 4274 ) ، وأصله في « الصحيحين » .