عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

115

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

بطوله ، إلى أن قال : « ثمّ صعد به إلى السماء الدنيا ، فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قال : حيّاه اللّه من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ، ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء . قال : فدخل ، فإذا هو برجل تامّ الخلقة ، لم ينقص من خلقه شيء ، كما ينقص من الناس ، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة ، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة ، إذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر ، وإذا نظر عن شماله بكى وحزن ؛ والباب الذي عن يمينه باب الجنة ، فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر ، والباب الذي عن شماله جهنم ، فإذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن » ، وذكر الحديث « 1 » . وقد خرّجه بتمامه البزّار في مسنده ، وأبو بكر الخلال وغير واحد ، وفيه التصريح بأن أرواح ذريته في الجنة والنار ، وأنه ينظر إلى أهل الجنة من باب عن يمينه ، وإلى أهل النار من باب عن شماله . وهذا لا يقتضي أن تكون الجنة والنار في السماء الدنيا ، وإنما معناه أن آدم في السماء الدنيا ، يفتح له بابان في الجنة والنار ، ينظر منهما إلى أرواح ولده فيها . وقد رأى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الجنة والنار في صلاة الكسوف ، وهو في الأرض ، وليست الجنة في الأرض ، وروي أنه رآهما ليلة الإسراء في السماء وليست النار في السماء . ويشهد لذلك أيضا ما في حديث أبي هارون العبدي - مع ضعفه - ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في حديث الإسراء الطويل ، إلى أن ذكر السماء الدنيا : « وإذا أنا برجل كهيئته يوم خلقه اللّه - عزّ وجلّ - لم يتغير منه شيء ، وإذا تعرض عليه أرواح ذريته ، فإذا كان روح طيبة وريح طيبة ، اجعلوا كتابه في عليّين وإن كانت روح كافر ، قال : روح خبيثة ، وريح خبيثة ، اجعلوا كتابه في سجّين ، قلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : أبوك آدم ، وذكر الحديث . ففي هذا أنه تعرض عليه أرواح ذريته في السماء الدنيا ، وأنه يأمر بجعل الأرواح في مستقرها من علّيين وسجّين ، فدلّ على أن الأرواح ليس محل مستقرها في السماء الدنيا . وزعم ابن حزم أن اللّه خلق الأرواح جملة قبل الأجساد ، وأنه جعلهما في برزخ ، وذلك البرزخ عند منقطع العناصر ، يعني حيث لا ماء ولا هواء ولا نار ، وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ، ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ ، وهو الذي رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليلة أسري به ، عند سماء الدنيا ، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم ، وأهل الشقاوة عن يساره ، وذلك عند منقطع العناصر ، وتجعل أرواح الأنبياء والشهداء في الجنة .

--> ( 1 ) إسناده ضعيف ؛ انظر « المجمع » ( 1 / 72 ) و « الفتح » ( 1 / 462 ) .