عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

116

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

قال : وذكر محمد بن نصر المروزي ، عن إسحاق بن راهويه ، أنه ذكر هذا الذي قلناه بعينه ، قال : وعلى هذا أجمع أهل العلم . قال ابن حزم : وهو قول جميع أهل الإسلام غيره . فكيف يكون قول جميع أهل الإسلام ، وكلامه يقتضي أن الأرواح رآها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء تحت السماء الدنيا ، والحديث يدلّ على أنه إنما رآها فوق السماء الدنيا . وما حكاه عن محمد بن نصر ، عن إسحاق بن راهويه ، فلا يدلّ على ما قاله بوجه ، فإن محمد بن نصر ، حكى عن إسحاق بن راهويه ، إجماع أهل العلم أن اللّه استخرج ذرية آدم من صلبه قبل خلق أجسادهم فاستنطقهم واستشهدهم على أنفسهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [ الأعراف : 172 ] ، ولم يذكر أكثر من هذا ، وهذا لا يدل على شيء مما قاله ابن حزم في مستقر الأرواح البتة . بل ولا على أن الأرواح بقيت على حالها ، بل في بعض الأحاديث أنه ردّها إلى صلب آدم . ولم يقل إسحاق ولا غيره من المسلمين : إن مستقر الأرواح حيث منقطع العناصر ، بل وليس هذا من جنس كلام المسلمين ، بل من جنس كلام المتفلسفة . وقد خرّج ابن جرير الطبري في كتاب ( الأدب ) له ، من طريق أبي معشر ، عن محمد بن كعب ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، قال : قال سلمان لعبد اللّه بن سلّام : إن مت قبلي فأخبرني عمن تلقى ، وإن مت قبلك أخبرتك بما ألقى ، فقال له الناس : يا عبد اللّه كيف تخبرنا وقد مت ؟ قال : ما من روح تقبض من جسد إلا كانت بين السماء والأرض حتى يرده في جسده الذي أخذ منه . هذا لا يثبت وهو منقطع ، وأبو معشر : ضعيف ، وقد سبق رواية سعيد بن المسيب لهذه القصة بغير هذا اللفظ ، وهو الصحيح . وقد تقدم في سؤال عبد اللّه ابن الإمام أحمد لأبيه عن الأرواح هل تموت بموت الأجساد ؟ وهذا يدل على أن هذا قد قيل أيضا وهو كذلك . وقد حكي عن طائفة من المتكلمين ، وذهب إليه جماعة من فقهاء الأندلس قديما ، منهم عبد الأعلى بن وهب بن محمد بن عمرو بن لبابة ، ومن متأخريهم كالسهيلي وأبي بكر بن العربي وغيرهما ، قال أبو الوليد بن الفرضي في ( تاريخ الأندلس ) : أخبرني سليمان بن أيوب ، قال : سألت محمد بن عبد الملك بن أيمن ، عن الأرواح ؟ فقال لي : كان محمد بن عمر بن لبابة يذهب إلى أنها تموت . وسألته عن ذلك ؟ فقال : كان يذهب عبد الأعلى بن وهب فيما قال ابن أيمن ، فقلت له : إن عبد الأعلى كان قد طالع كتب المعتزلة ، ونظر في كلام المتكلمين ، فقال : إنما قلدت عبد الأعلى ليس من هذا شيء . انتهى .