الفيض الكاشاني

68

أنوار الحكمة

حدّ الأشياء كلّها عند خلقه إبانة لها من شبهه ، وإبانة له من شبهها ؛ فلم يحلل فيها فيقال : « هو فيها كائن » ؛ ولم ينأ عنها فيقال : « هو منها بائن » ؛ ولم يخل منها فيقال له : « أين » ؟ لكنّه - سبحانه - أحاط بها علمه ، وأتقنها صنعه ، وأحصاها حفظه . لم يعزب عنه خفيّات غيوب الهواء ، ولا غوامض مكنون ظلم الدجى ، ولا ما في السماوات العلى إلى الأرضين السفلى ؛ لكلّ شيء منها حافظ ورقيب ، وكلّ شيء منها بشيء محيط ، والمحيط بما أحاط منها الواحد الأحد الصمد ، الذي لا يغيّره صروف الأزمان ، ولا يتكادّه صنع شيء كان ؛ إنّما قال لما شاء : « كن » ، فكان . ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ، ولا تعب ولا نصب ؛ وكلّ صانع شيء فمن شيء صنع ، واللّه لا من شيء صنع ما خلق ؛ وكلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم ، واللّه لم يجهل ولم يتعلّم . أحاط بالأشياء علما قبل كونها ، فلم يزدد بكونها علما ، علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها ؛ لم يكوّنها لتشديد سلطان ، ولا خوف من زوال ولا نقصان ، ولا استعانة على ضدّ مناو « 1 » ولا ندّ مكاثر « 2 » ولا شريك مكابر ؛ لكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون . فسبحان الذي لا يؤده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما برأ ، ولا من عجز ولا من فترة بما خلق اكتفى ؛ علم ما خلق ، وخلق ما علم ؛ لا بالتفكير في علم « 3 » حادث أصاب ما خلق ، ولا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق ؛ لكن قضاء مبرم ، وعلم محكم ، وأمر متقن . توحّد بالربوبيّة وخصّ نفسه بالوحدانيّة ، واستخلص بالمجد والثناء ، وتفرّد

--> ( 1 ) النسختين : المناواة : المعاداة . ( 2 ) هامش ر : كاثروهم فكثروهم : غلبوهم بالكثرة - ق . ( 3 ) في التوحيد : ولا بعلم ( بدلا من : في علم ) .