الفيض الكاشاني

57

أنوار الحكمة

« جفّ القلم بما هو كائن » « 1 » . « ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلّا وهي كائنة » « 2 » . والموجودات كلّها - بشهاديّاتها وغيبيّاتها - كموجود واحد في الفيضان عنه ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [ 31 / 28 ] ؛ وإنّما التقدّم والتأخّر ، والتجدّد والتصرّم ، والحضور والغيبة ، في هذه كلّها بقياس بعضها إلى بعض وفي مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان ، المسجونين في سجن المكان ، لا غير ؛ وإن كان هذا لمما يستغربه الأوهام . وأمّا قوله عزّ وجلّ : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ 55 / 29 ] فهو - كما قاله بعض العلماء - : « إنّها شؤون يبديها ، لا شؤون يبتديها » - فافهم . نور [ نسبة علمه تعالى إلى الحاضر والغائب سواء ] قد ظهر ممّا ذكر أنّ إلهيّته تعالى ثابتة له في الأزل ، وهو تامّ الفاعليّة فيه ؛ وكذلك عالميّته وسمعه وبصره وغير ذلك من الصفات . فإنّه سبحانه أدرك الأشياء جميعا إدراكا تامّا ، وأحاط بها إحاطة كاملة ، فهو عالم بأنّ أيّ حادث يوجد في أيّ زمان من الأزمنة ، وكم يكون بينه وبين الحادث الذي بعده أو قبله من المدّة ، ولا يحكم على شيء من ذلك بالعدم ؛ بل بدل ما نحكم بأنّ الماضي ليس موجودا في الحال ، يحكم هو بأنّ كلّ موجود في زمان معيّن لا يكون موجودا في غير ذلك الزمان من الأزمنة التي تكون قبله أو بعده .

--> ( 1 ) في المعجم الكبير ( 11 / 178 ، ح 11560 ) : « . . . فقد جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . . . » . أمالي الطوسي ( المجلس التاسع عشر : 536 ، ح 1 ) عن أبي ذر ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « . . . فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . . . » . راجع أيضا التوحيد : 343 ، باب المشيّة والإرادة ، ح 13 . ( 2 ) البخاري ( في العتق وفضله ، باب من ملك من العرب رقيقا . . . ، 3 / 194 ) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلّا وهي كائنة » . أبو داود ( كتاب النكاح ، باب ما جاء في العزل : 2 / 252 ، ح 2172 ) مثله .