الفيض الكاشاني

392

أنوار الحكمة

في وجوه الفرق بين الدنيا والآخرة في نحو الوجود الجسماني « 1 » إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ [ 40 / 39 ] فمنها : أنّ الدنيا لا بدّ وأن تفنى ، لأنّها لم تخلق لذاتها ، بل لتكون وسيلة إلى تحصيل نشأة أخرى وتمتّعا لها وبلغة إليها ، فلا بدّ من انقطاعها ومصيرها إلى البوار ؛ والآخرة باقية أبدا ببقاء بارئها وقيّومها ، لأنّها خلقت لذاتها ، لا لشيء آخر ، فهي محل الإقامة ودار القرار . قال أمير المؤمنين « 2 » عليه السلام : « الدنيا خلقت لغيرها ، ولم يخلق لنفسها » . ومنها : أنّ الأجساد الدنيويّة قابلة لنفوسها على سبيل الاستعداد ، والنفوس الاخرويّة فاعلة لأجسادها على سبيل الاستيجاب والاستلزام ، فهاهنا ترتقي الأبدان بحسب تزايد استعداداتها إلى حدود النفوس ، وفي الآخرة يتنزّل الأمر إلى النفوس فينسج منها الأبدان . ومنها : أنّ القوّة الخياليّة في الدنيا غير الحواسّ الظاهرة ، وفي الآخرة تصير عينها وتتّحد بها ؛ ولهذا قيل : « إنّ اللذة الخيالية لا تكون في الجنّة » . لأنّها من قضيّات الوهم ، إذ من شأنه أن يتخيّل أشياء على طريق التمنّي فتلتذّ بها النفس - و « المنى رأس مال المفاليس » - والآخرة دار الصدق ودار الحقائق ، ولذلك سمّيت الْحَاقَّةُ [ 69 / 1 ] ، لأنّ فيها حواقّ الأمور ، وليس فيها أباطيل

--> ( 1 ) مل : وجود الجسماني . ( 2 ) نهج البلاغة : الحكمة رقم 463 .