الفيض الكاشاني

393

أنوار الحكمة

وأكاذيب ولا امنيّة ، إذ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ 43 / 71 ] نقدا ، وإنّما التذاذهم بالوجود المشاهد . ومنها : أنّ الشهوات في الدنيا تابهة للمشتهيات ، والمشتهيات في الجنّة تابعة للشهوات ، كما قال اللّه - تعالى - : وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [ 41 / 31 ] ، فما تريد يستحضر ، لا أنّه يكون موجودا ثمّ يستحضر ، بل يستحضر فيكون موجودا بالاستحضار ، فالحضور هناك ليس بقطع المسافة . قيل ورد في الحديث القدسي أنّ اللّه - سبحانه - يقول « 1 » « يا ابن آدم خلقتك للبقاء ، وأنا حيّ لا أموت ، أطعني فيما أمرتك به وانته عمّا نهيتك عنه ، أجعلك مثلي حيّا لا تموت ؛ أنا الذي أقول لشيء : « كن » ، فيكون ، أطعني فيما أمرتك به أجعلك مثلي إذا قلت لشيء : « كن » ، فيكون » . ومنها : أنّ باطن الإنسان يكون ثابتا في الآخرة ، فإنّه عين ظاهر صورته في الدنيا ، ويكون ظاهره فيها مثل باطنه في الدنيا متنوّعا في الصور . ومنها : أنّ المادّة الحاملة للصور الدنيويّة تحتاج إلى فاعل مباين يكملها على سبيل التربية شيئا فشيئا ، لأنّها في عالم الحركات ، فإذا زالت منها الصور احتاجت في استرجاعها إلى فاعل مباين عن ذاته ، بخلاف المادّة الحاملة للصور الاخرويّة ، فإنّها قوّة نفسانيّة مستكفية بذاتها وبأسبابها الذاتيّة ، فإذا زالت عنها الصور ففي استرجاعها يكفي تذكّرها من غير حاجة إلى تجشّم اكتساب من فاعل جديد لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ 80 / 37 ] . ومنها : أنّ المادّة الاخرويّة أشرف صورة وأسرع قبولا للصور ، وأسهل انفعالا من الفاعل ، لأنّها ألطف جوهرا وأشدّ قربا من الروحانيّة بالإضافة إلى الموادّ الدنيويّة .

--> ( 1 ) جاء في عدة الداعي ( الباب السادس ، 291 ) : « ورد في الحديث القدسي : يا ابن آدم أنا غنيّ لا أفتقر ، أطعني فيما أمرتك أجعلك غنيا لا تفتقر ؛ يا ابن آدم أنا حيّ لا أموت ، أطعني فيما أمرتك أجعلك حيّا لا تموت ؛ يا ابن آدم أنا أقول للشيء « كن » ، فيكون ؛ أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء « كن » ، فيكون » .