الفيض الكاشاني

332

أنوار الحكمة

قال تعالى فيهم : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ 6 / 52 ] . ومنهم جماعة من أصحاب اليمين لم يقدموا في الدنيا على معصية ، ولم يقترفوا سيّئة ولم يريدوا علوّا في الأرض ولا فسادا ، لصفاء ضمائرهم وسلامة فطرهم عن رين المعاصي وقوّة نفوسهم على فعل الطاعات : فهم أيضا يدخلون الجنّة بغير حساب كما قال تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ 28 / 83 ] . ومنهم جماعة نفوسهم ساذجة وصحائف أعمالهم خالية عن آثار السيّئات والحسنات جميعا ، فلهم حالة إمكانيّة ، فينالهم اللّه برحمة منه وفضل لم يمسسهم سوء العذاب ، لأنّ جانب الرحمة أرجح من جانب الغضب ، والإمكان مصحّح للقبول مع عدم المنافي « 1 » ، والواهب جواد كريم ، فهؤلاء أيضا يدخلون الجنّة بغير حساب ؛ وقد قال : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ 41 / 46 ] ، وقال « 2 » : « سبقت رحمتي غضبي » ؛ وقال : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ 7 / 156 ] . وأمّا القسم الآخر - وهم أهل العقاب في الجملة - فهم أيضا ثلاثة أقوام : منهم قوم صحيفة أعمالهم خالية من العمل الصالح ، ولا محالة يكونون كفّارا محضة فيدخلون جهنّم بلا حساب . ومنهم قوم صدر منهم بعض الحسنات ، لكن وقع في حقّهم قوله تعالى : حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ 11 / 16 ] وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ 25 / 23 ] . ومنهم قوم هم في الحقيقة من أهل الحسنات ، حيث خَلَطُوا

--> ( 1 ) مل : - مع عدم المنافي . ( 2 ) راجع ما مضى في ص 52 .