الفيض الكاشاني
307
أنوار الحكمة
تنبيه [ الأمور القبريّة واقعة في صقع وجود الإنسان ] إنّ هذه الأمور القبريّة والأهوال المطّلعيّة ليست أمورا موهومة لا وجود لها في الأعيان - هيهات - فإنّ من يعتقد ذلك فهو كافر في الشريعة ، ضالّ في الحكمة . بل هي أقوى في الوجود وأشدّ تحصّلا في التجوهر من هذه الحسّيات الدنياويّة بكثير ؛ لأنّ هذه الصور توجد في المادّة الجسمانيّة - التي هي أخسّ الموضوعات - وتلك قائمة في موضوع النفس ؛ ولا نسبة بين الموضوعين في الشرف والخسّة ؛ فلا نسبة بين الصورتين في القوّة والضعف . على أنّ كلتيهما مدركتان للنفس « 1 » ، إحداهما بواسطة الآلات الجسدانيّة ، والأخرى لذواتها « 2 » . ومن هنا صحّ أن يقال « 3 » : « إنّ الدنيا والآخرة حالتان للنفس » . وأن يقال : « إنّ النشأة الثانية عبارة عن خروج النفس عن غبار هذه الهيئات البدنية » فمن قبل أن تخرج عن البدن لا ترى تلك الصور إلّا مشاهدة ضعيفة - وذاك أيضا لبعض الناس - وإذا تجرّدت وارتفعت الشواغل وقوي العزيمة وانحصرت القوى كلّها في قوّة واحدة - وهي المتخيّلة وتصير هي عينا باصرة وقدرة فعّالة : ينقلب العلم مشاهدة ، والمسموع مشافهة . وقد علمت أنّ أهل كل نشأة إنّما يدرك الموجودات التي فيها على سبيل المشاهدة ، والتي في غيرها على سبيل الحكاية ؛ فشهادة كلّ نشأة غيب في أخرى ، وعيانها علم وخبر في غيرها ، « والناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا » « 4 » .
--> ( 1 ) مل : - للنفس . ( 2 ) مقتبس من مفاتيح الغيب : المفتاح الثامن عشر ، المشهد الخامس : 607 . ( 3 ) نفس المصدر : 609 . ( 4 ) مضى في ص : 282 .