الفيض الكاشاني

308

أنوار الحكمة

فالصور الدنياويّة بالنسبة إلى الاخراويّة كالصور المناميّة إلى الانتباهيّة . ومن هنا يظهر أنه لا يلزم أن يشاهد تلك الأمور في القبر بهذه الآلات الجسدانيّة ، لأنّها من نشأة أخرى ؛ ومن يشاهدها في الدنيا ، فذاك لظهور سلطان الآخرة عليه ، كما كان يشاهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جبرئيل عليه السلام ولا يشاهده غيره من الحاضرين ؛ فإنّ لكلّ نشأة حكمها - فافهم . وقال بعض المحقّقين « والذي يوضح لك كيفيّة ضغطة القبر - وإن كان جسد الميّت ساكنا أو كان في الهواء أو الماء - أنّ من كان في ضيق شديد أو تفرّق اتّصال بالنار وغيرها ، أو وقع بين حجرين عظيمين : فإنّ الذي يؤلمه ويؤثّر في نفسه بالذات ليس هذه الأمور الواقعة على بدنه ؛ بل صورتها الواصلة إلى نفسه لعلاقة لها مع البدن ، حتّى أنّه لو فرض حصول تلك الصور إلى النفس من سبيل آخر - لا من جهة هذه الأسباب الماديّة - لكان التأثير بحالها ما دامت النفس ذات علاقة بهذا البدن - سواء كان البدن بعينه باقيا أم لا - . فضغطة القبر وعذابه من هذا القبيل الذي ذكرناه ، وكذلك ثوابه وراحته ، فسعة القبر وضيقه تابعان لانشراح الصدر وضيقه » . نور [ الفرق بين الصور البرزخيّة والأخرويّة ] الفرق بين الصور المشاهدة في البرزخ وبين المشاهدة في الجنان أو النيران إنّما هو بالشدّة والضعف والكمال والنقص ؛ وهذه أنموذج من تلك ؛ وما دام الإنسان قريب العهد من الدنيا ، لم تستحكم بعد في نفسه قوّة انكشاف الآخرة على وجه الكمال ؛ كما لم تستحكم في الجنين قوّة الإحساس بالمحسوسات ؛ بل يكون حاله بالنسبة إلى ذلك كحال النائم بالإضافة إلى اليقظان ، وكلتا الصورتين إدراكيّة جزئيّة غير مادّية ، إلا أنّ البرزخيّة مشهودة بعين الخيال ، والاخرويّة بعين الحسّ ؛ على أنّ عين الحسّ الاخروىّ ليست غير عين الخيال ، بل تتّحد هناك معها ، بخلاف الدنيوي .