الفيض الكاشاني
306
أنوار الحكمة
ثمّ إنّ هذا الإنكار من النفس لذلك المنكر ، يحملها إلى أن يلتفت إلى اعتقاداتها ويفتّش عنها ، أهي صحيحة حسنة حقّة ؟ أم فاسدة خبيثة باطلة ؟ ليظهر نجاتها وهلاكها ويطمئنّ قلبها . وذلك لأنّ قبول الأعمال موقوفة على صحّة الاعتقاد ، بل المدار في النجاة على ذلك - كما هو مقرّر ضروريّ من الدين - . وإليه أشير بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » : « حبّ عليّ لا تضرّ معه سيّئة ، وبعض عليّ لا تنفع معه حسنة » . ثمّ قد أشرنا إلى أنّ صور تلك النشأة وموجوداتها كلّها حيّة مدركة ، ولا ميّت فيها - وسنؤكّد ذلك بالأخبار والنقول فيما بعد - وكلّ حيّ مدرك يحبّ نفسه ويحبّ أن يكون مقبولا غير مردود ؛ فكأنّ المفتّش عن الاعتقاد إنّما هو الملكان ، حيث صار ذلك غرضا لهما بهذا الاعتبار . وأيضا : فإنّ النفس أقرب إلى الاعتقاد من العمل إليه ، فكأنّها عالمة به ، فينبغي أن تكون مسؤولا عنها ، لما بينها وبينه من الاتحاد ، والملكان سائلان « 2 » لما بينهما وبينه من المباينة . ويؤيّد هذا سكوته عليه السلام في الحديث المذكور عن العمل المنكر ، واقتصاره على ذكر العمل الصالح ، وتسمية الملكين في بعض الأخبار ب « قعيدي القبر » « 3 » - حيث يشعر بالمصاحبة - وعدم السؤال إلّا عن المؤمن المحض والكافر المحض « 4 » ، فإنّ من لا يهتمّ بالدين فهو بمعزل عن ذلك . إلى غير ذلك من الإشارات ؛ وسينكشف لك زيادة انكشاف بما ستطلع عليه من نظائره - واللّه أعلم - .
--> ( 1 ) مناقب الخوارزمي : 35 ، الفصل السادس ، في محبة الرسول إياه . ( 2 ) ر ، مل : سائلين . ( 3 ) الكافي : 3 / 239 ، كتاب الجنائز ، باب المساءلة في القبر ، ح 12 . ( 4 ) الكافي : 3 / 235 - 236 ، كتاب الجنائز ، باب المساءلة في القبر ، ح 1 و 4 .