الفيض الكاشاني

268

أنوار الحكمة

في بيان مغايرة الروح للبدن ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ 23 / 14 ] نور [ الإنسان له روح وبدن ] اعلم أنّ الإنسان في الحقيقة أمر وراء هذا البدن المحسوس ، وهو من عالم الملكوت ، وبه قوام هذا البدن ، وهو ليس من جنسه ولا من جنس شيء من أجزائه ، فإنّ في إهاب « 1 » كلّ حيوان كامل حيوانا آخر من عالم الغيب ، هو في الحقيقة يسمع ويرى ويشمّ ويذوق ويلمس ويبطش ويمشي ، ولهذا يفعل هذه الأفاعيل وإن ركدت هذه القوى والحواسّ البدنيّة منه - كما في النوم والإغماء والسكر - فله في ذاته هذه المشاعر والقوى والآلات من غير عوز ، إلّا أنّها ليست ثابتة في عالم الحسّ والشهادة ؛ وهذه المشاعر الظاهرة بمنزلة ظلال لتلك ، وكذلك هذا البدن الظاهر بمنزلة قشر وغلاف وقالب لذلك البدن ، وإنّما حياة هذه كلّها بذاك ، وهو الحيوان بالذات . وإليه الإشارة بقوله عزّ وجلّ : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ 23 / 14 ] . وقال في حقّ آدم : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ 15 / 29 ] . وفي حقّ عيسى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ 4 / 171 ] . وهذه الإضافة تؤذن على شرف هذه النفس ، وكونها عريّة عن عالم الأجرام . وقال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ 89 / 27 - 28 ] والرجوع يدلّ على السابقة .

--> ( 1 ) مل : من اهاب .