الفيض الكاشاني

167

أنوار الحكمة

« إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا ، لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه ، فيباشرهم ويباشروه ، ويحاجّهم ويحاجّوه : ثبت أنّ له سفراء « 1 » في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ؛ فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، والمعبّرون عنه جلّ وعزّ ؛ وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدّبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيء من أحوالهم ، مؤيّدين « 2 » عند الحكيم العليم بالحكمة . ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر وزمان ممّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين ، لكيلا تخلوا أرض اللّه من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته » . نور [ النبي إنسان صاحب معجزة ] « 3 » ولا بدّ أن يكون ذلك السائس السانّ إنسانا ، لأنّ مباشرة الملك لتعليم الإنسان على هذا الوجه مستحيل كما قال اللّه عزّ وجلّ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ 6 / 9 ] ودرجة باقي الحيوانات أنزل . ولا بدّ من تخصّصه بآيات من اللّه سبحانه دالّة على أنّ شريعته من عند ربّهم القادر الغافر المنتقم - كما أشير إليه في الحديث المذكور آنفا - ليخضعوا له ، ويلزم لمن وقف لها أن يقرّ بتقدّمه ورئاسته ؛ وهي الحكمة والمعجزة . وأيضا لو افتقر كلّ أحد من الناس إلى معلّم بشريّ لتسلسل الأمر إلى ما لا يقف ، فلا يحصل علم ؛ فلا بدّ إذن من شخص يستبدّ بفهم الإشارات يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ 24 / 35 ] وهو النبيّ .

--> ( 1 ) هامش ر : السفير : الرسول والمصلح بين القوم ، والجمع سفراء ، مثل فقيه وفقهاء - ص . ( 2 ) المصدر : مؤيدين من عند . / المصدر نسخة : مؤيدون عند . ( 3 ) راجع الشواهد الربوبية : 360 . الشفاء : الصفحة السابقة .