الشيخ محمد زاهد الكوثري

83

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وما ذا على الإجماع من كون بعض أنواعه ظنيّا ؟ وجحد ما هو يقينيّ منه كفر ، وإنكار ما جرى مجرى الخبر المشهور منه ضلال وابتداع ، وجاحد ما دون ذلك كجاحد بعض ما صحّ من أخبار الآحاد على حدّ سواء . أما قول محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الإجماع ، فبعيد عما يفقهه الفقهاء ، وهو ليّن الملمس في كتبه بالنسبة إلى أمثال المقبليّ ومحمد بن إسماعيل الأمير والشوكانيّ من أذياله الهدّامين ، لكن مع هذا اللين تحمل كتبه سمّا ناقعا ، وهو أول من شوّش فقه العترة النبوية ببلاد اليمن ، وكلامه في الإجماع يرمي إلى إسقاط الإجماع من الحجية ، وإن لم يصرّح تصريح الشوكانيّ في « جزء الطلاق الثلاث » . انتهى ما نقلته من « الإشفاق » . وقول الشوكانيّ في جزئه المذكور « إنّ الحقّ عدم حجيّة الإجماع ، بل عدم وقوعه ، بل عدم إمكانه ، بل عدم إمكان العلم به ، وعدم إمكان نقله » متابعة للنّظّام على طول الخطّ : مما لا يستكثر من مثله في التجرّؤ على الأحكام ، وهو الذي لا يعترف بعدد محدود في نكاح النساء ، على خلاف الكتاب والسّنّة ، كما في « وبل الغمام » له . وتجد تفصيل الردّ عليه في « تذكرة الراشد » ، وإن كان هذا على خلاف ما في « نيل الأوطار » ، وله مراحل في الدعوة إلى بدعته . وقد علّقنا على مواضع من « مراتب الإجماع » لابن حزم برمز ( م ) في الغالب ، ما يعيد الحقّ إلى نصابه في مواضع انحرافه عن الجادّة ، وهكذا فعلنا فيما علّقناه على « النّبذ » لابن حزم بتوفيق اللّه سبحانه . وليس بين الأئمة المتبوعين كبير خلاف في الإجماع ، وما كلّ من تحدّث فيه تحدّث بما يقام لكلامه وزن ، والحقّ واضح لمن درس الإجماع من جميع نواحيه ، لكن ضعف المناعة الفقهية في متفقهة الأدوار الأخيرة ، جعلهم ضحايا للآراء الشاذّة التي تنشر هنا ، بسعي من أصحاب غايات ، وذلك ناشئ من الفوضى وقلة التبصّر في مناهج تفقيههم وإن كان القائمون بالأمر يصعب عليهم الاعتراف بذلك ، لكنّ الأمر واقع ، ما له من دافع . ثم إنّ أضيق المذاهب في الإجماع هو مذهب الظاهرية ، المقتصرين على الصحابة في الإجماع ، ونزول عيسى عليه السلام مما نصّ عليه ثلاثون من الصحابة رضي اللّه عنهم ، وآثارهم الموقوفة عليهم مدوّنة في « التصريح » للكشميري كما سبق ، ولم يصحّ عن صحابيّ واحد القول بما يخالف ذلك .