الشيخ محمد زاهد الكوثري
31
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
بقي بعد هذا أمر لا بد من تقريره : وهو أن تلك الأحاديث كيفما كانت ليست من قبيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل حتى تكون قطعية الدلالة ، فقد تناولتها أفهام العلماء قديما وحديثا ولم يجدوا مانعا من تأويلها : وقد جاء في شرح المقاصد بعد أن قرر مؤلفها أن جميع أحاديث أشراط الساعة آحادية ما نصه : ولا يمتنع حملها على ظواهرها عند أهل الشريعة . . . وأوّل بعض العلماء النار الخارجة من الحجاز بالعلم والهداية سيما الفقه الحجازي ، والنار الحاشرة للناس بفتنة الأتراك ، وفتنة الدجال بظهور الشر والفساد ، ونزول عيسى صلى اللّه عليه وسلم باندفاع ذلك وبدوّ الخير والصلاح . . الخ » . ومن ذلك نرى أن السعد - صاحب المقاصد - لا يقرر وجوب حملها على ظواهرها حتى تكون من قطعي الدلالة الذي يمتنع تأويله ، وإنما يقرر بصريح العبارة « أنه لا مانع من حملها على ظواهرها » فيعطي بذلك حق التأويل لمن انقدح في قلبه سبب للتأويل . ثم يحدث عن بعض العلماء أنهم سلكوا سبيل التأويل في هذه الأحاديث فعلا ، ويبين المعنى الذي حملوها عليه ، ولا شك أن هذا لم يكن منه إلا لأنه يعتقد - كما يعتقد سائر العلماء الذين يعرفون الفرق بين ما يقبل التأويل وما لا يقبله - أن ما تدل عليه ألفاظ تلك الأحاديث ليس عقيدة يجب الإيمان بها فمن أدّاه نظره إلى أن يؤمن بظاهرها فله ذلك ، ومن أدّاه نظره إلى تأويلها فله ذلك شأن كل ظني في دلالته . ومما تقدم يتبين جليا « أنه ليس في الأحاديث التي أوردوها في شأن نزول عيسى آخر الزمان قطعية ما ، لا من ناحية ورودها ولا من ناحية دلالتها » . النظرة الثالثة في الإجماع : بقي أن ننظر النظرة الثالثة فيما زعموا من إجماع في هذا المقام . وأحب أن أشير هنا إلى أن « الإجماع » الذي اشتهر بين الناس أنه أصل من أصول التشريع في الإسلام قد اختلفت فيه المذاهب والآراء اختلافا بعيدا : اختلفوا في حقيقته ، واختلفوا في إمكانه ، وتصور وقوعه . ثم اختلفوا في حجيته . الخ مما يتبين لنا به أن حجيّة الإجماع في ذاتها غير معلومة بدليل قطعي فضلا عن أن يكون الحكم الذي أثبت به معلوما بدليل قطعي فيكفر منكره .