الشيخ محمد زاهد الكوثري
32
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
ثم نقول : إن الذين ذهبوا إلى حجية الإجماع لم يتفقوا على شيء يحتج به فيه سوى الأحكام الشرعية العملية ، أما الحسيات المستقبلة من أشراط الساعة وأمور الآخرة فقد قالوا : « إن الإجماع عليها لا يعتبر من حيث هو إجماع لأن المجمعين لا يعلمون الغيب ، بل يعتبر من حيث هو منقول عمن يطلعه اللّه على الغيب ، فهو راجع إلى الإخبارات فيأخذ حكمها ، وليس من الإجماع المخصوص بأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأن الحسي المستقبل لا مدخل للاجتهاد فيه ، فإن ورد به نص فهو ثابت به ولا احتياج إلى الإجماع ، وإن لم يرد به نص فلا مساغ للاجتهاد فيه » « 1 » وعلى هذا تخضع جميع الأخبار التي تتحدث عن أشراط الساعة ومن بينها نزول عيسى إلى مبدأ قطعية النصوص وظنيها في الورود والدلالة . خلاف قديم وحديث في المسألة : وعلى فرض أن أشراط الساعة مما يخضع للإجماع الذي اصطلحوا عليه نقول : إن نزول عيسى قد استقرّ فيه الخلاف قديما وحديثا : أما قديما فقد نصّ على ذلك ابن حزم في كتابه « مراتب الإجماع » حيث يقول : « واتفقوا على أنه لا نبي مع محمد صلى اللّه عليه وسلم ولا بعده أبدا ، إلا أنهم اختلفوا في عيسى عليه السلام : أيأتي قبل يوم القيامة أم لا ؟ وهو عيسى ابن مريم المبعوث إلى بني إسرائيل قبل مبعث محمد عليه السلام » ، كما نصّ عليه أيضا القاضي عياض في شرح مسلم ، والسعد في شرح المقاصد ، وقد سقنا عباراته قريبا وهي واضحة جلية في أن المسألة ظنية في ورودها ودلالتها ! وأما حديثا فقد قرر ذلك كل من الأستاذين المغفور لهم : الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا ، والأستاذ الأكبر الشيخ المراغي . فالشيخ محمد عبده رضي اللّه عنه يذكر وهو بصدد تفسير آية آل عمران : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] « أن للعلماء هنا طريقتين : إحداهما وهي المشهورة أنه رفع بجسمه حيّا وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه اللّه تعالى . . . والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها ، وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر منه وهو الإماتة العادية وأن الرفع يكون بعده وهو
--> ( 1 ) التحرير .