الشيخ محمد زاهد الكوثري
220
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
البغداديين منهم : أنه تعالى لا يرى شيئا ، إنما المراد بالإدراك العلم ، فهو يعلم الأبصار عندهم ، والأبصار لا تعلمه ، فبطل احتجاج الجميع منهم بهذه الآية ، لأن عندهم لا يراد بالإدراك الرؤية ، فلا يصح لهم الاحتجاج بها في نفي الرؤية . جواب آخر : وهو أن الآية لا حجة فيها ، لأنه قال : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] ولم يقل لا تراه الأبصار ، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية ، لأن الإدراك : الإحاطة بالشيء من جميع الجهات ، واللّه تعالى تعالى يوصف بالجهات ، ولا أنه في جهة ، فجاز أن يرى وإن لم يدرك ، وهذا كما قال تعالى في قصة اللعين فرعون : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [ يونس : 90 ] يعني أحاط به من جميع جوانبه ، فالغرق لا يوصف بأنه يرى ، وإنما يوصف بأنه أحاط بالشيء . كذلك المؤمن يوصف بأنه يرى ربه ولا يدركه بالإحاطة ، وهذا كما نقول : إنا نعلم ربنا ، ولا نقول إنا نحيط بربنا ، فكما كانت الإحاطة معنى يزيد على العلم كذلك الإدراك معنى يزيد على الرؤية ، وهذا صحيح . لأنا نجمع بين قوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمّد : 19 ] وبين قوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] ونجمع بين قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] وبين قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] فنقول : معلوم ولا يحاط به ، ومرئي ولا يدرك . فصحّ ما قلناه ، وبطل قول الغير . جواب آخر : أن معنى الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا ، وإن جاز أن تدركه في الآخرة ، ليجمع بين قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] وبين قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 23 ] . جواب آخر : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] يعني أبصار الكفار دون المؤمنين ، ليجمع بين قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] وبين قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) [ المطفّفين : 15 ] وهذا صحيح ؛ لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين ، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار . جواب آخر : وهو أن أبصار الخلق لا تدركه في الدنيا والآخرة ؛ لأن هذه الأبصار جعلت للفناء ، وإنما يحدث لهم بصرا غير هذا البصر ، ويكون باقيا غير فان فيرى الباقي بالباقي ، وقد قيل : إنه تعالى يحدث لأوليائه حاسة سادسة غير هذه الحواس الخمس يرونه بها . وقال هذا القائل : اللّه أخبر في كتابه العزيز : أنه من أهل