الشيخ محمد زاهد الكوثري

211

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

الأخبار على ما قلنا ، ويحمل هذا الخبر على أنه أراد به الكبائر التي تخرج من الإسلام ، نحو الكفر بعد الإيمان ، أو استحلال ما حرّم اللّه ، أو تكذيب بعض الرسل أو بعض الكتب ، ويصير هذا كما قلنا إنا نجمع بين كل ما ذكر في القرآن ، وإن كان ظاهره يناقض بعضها بعضا عند الجهّال مثلكم ، فإنه تعالى قال : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) [ المرسلات : 35 ] ثم قال في موضع آخر : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) [ الصّافات : 27 ] فيحمل هذا على أنهم لا ينطقون عند الصراط ، والميزان ، والكتب ، ويسأل بعضهم بعضا بعد ذلك ، حتى لا نسقط شيئا من كتاب اللّه ولا ينقض بعضه ببعض فكذلك يحمل قوله : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » في حق من يبقى على الإيمان حتى يخرج من دار الدنيا ، ويحمل ما ذكروا - لو كان صحيحا - على من خرج من الدنيا على غير إيمان ، ونكون أسعد وأولى ، لأنا نثبت الصحيح بتأويل لشيء باطل لا أصل له أن لو صحّ ، وهم يسقطون الصحيح المتفق على صحته بشيء باطل لم يصح . فإن قيل : هذا لا يصح مع قوله عليه السلام : « لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي » والكافر بما ذكر به ثم ليس من أمته ، قلنا : بل يصح ذلك من وجهين : أحدهما : أنه أراد بذلك من كان من أمتي ثم ارتد ، أو نحو ذلك ، فقد يجوز أن يسمى الشيء بما كان عليه أولا ، وإن كان في الحال لا يسمى به ، ألا ترى إلى ما قال صلى اللّه عليه وسلم في النبيذ : « ثمرة طيبة وماء طهور » يعني كان ثمرة طيبة وماء طهورا ، لا يريد أنه في الحال ثمرة ، وكذلك أمر صلى اللّه عليه وسلم بلالا : « ارجع فناد ألا إن العبد نام » ولم يرد أنه الآن عبد ، بل أراد أنه كان عبدا ، لأن الصديق أعتق بلالا قبل ذلك . يقال لعتيق الرجل : عبد بني فلان ، أي كان عبدا لهم ، ونحو ذلك كثير . ويحتمل أن يكون سماهم من أمته ، لأنهم كانوا في عصره ووقته وقرنه ، وكل قرن يسمى أمة ، ويكون ذلك فيمن كان آمن به في وقته ثم ارتد ، فمن ذكر من أهل الردة ، أو كان في وقته ولم يؤمن ، وسماه من أمته لأنه في قرنه وعصره . فصحّ ما قلناه وبطل تعلقهم بما لا أصل له . فإن قيل : أليس قد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من تحسّى سما وقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا » ، وروي مثله فيمن قتل نفسه بحديدة ، ومن تردى من جبل . وروي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يدخل الجنة مدمن خمر ، وعاق والديه » فهذه الأخبار معارضة لأخبار الشفاعة .