الشيخ محمد زاهد الكوثري

212

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

فالجواب عن هذه الأخبار : أن [ منها ] ما صح [ و ] منها [ ما لم يصح ] ويجمع بين الكل ، فتحمل هذه الأخبار على من فعل ذلك مستحلا لفعله ، أو فعله على وجه التكذيب للصادق فيما أخبر به أن هذا الفعل كبيرة حرام ، ونحو ذلك ، وهذا صحيح لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قال لا إله إلا اللّه دخل الجنة » . فقال أبو ذر : وإن زنا ، وإن سرق ؟ فقال : « وإن زنا ، وسرق ، وقتل ، وشرب الخمر ، وإن رغم أنف أبي ذر » فصحّ ما قلناه ، وقبلنا جميع الأخبار الصحاح ولم نضرب بعضها ببعض ، ولا أسقطنا بعضها ببعض ، كما يفعل أهل البدع الذين ضاهوا اليهود في قولهم : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النّساء : 150 ] . فإن قيل : أليس عندكم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يشفع إلا في مؤمن ، وقد وردت الروايات « لا يزني الزاني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو مؤمن » وكذلك روي أنه قال : « ليس منا من يأتينا بطينا ويأتي جاره خميصا » و « من غشنا فليس منا » و « لا إيمان لمن لا أمانة له » إلى غير ذلك ، فكيف يشفع الرسول عليه السلام فيمن ليس بمؤمن ؟ فالجواب : أن يقال لهم : هذه الأخبار لا حجة فيها ولا تعارض أخبار الشفاعة ، فإنها محتملة لوجوه إذا صرفت إليها صحت ، ولم تكن معارضة لأخبار الشفاعة . أحدها : أن يكون المراد لا يزني ولا يسرق حين يفعل ذلك ، وهو مؤمن : أي مستحل لذلك ، حتى يصح الجمع بين هذه الأخبار وبين قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال لا إله إلا اللّه دخل الجنة وإن سرق وإن زنا وشرب الخمر » ، أو يكون أراد بذلك إذا فعله على وجه التكذيب لتحريم هذه الأشياء ، واللّه تعالى لم يحرمها ، أو يكون المراد ليس بمؤمن كإيمان المؤمن الذي لم يكن منه سرقة ، ولا زنا ، ولا شرب خمر أي في البر ، والطهارة ، والعفة ونحو ذلك ، ويصير هذا كقوله : « لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » أراد الكمال . وهذا الفصل أفسد الحجج وأدحضها بحمد اللّه تعالى . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] قيل : معناه الرد على من أنكر أصل الشفاعة ، فأخبر تعالى أن ثم شفاعة ، لكن لمن أراد تعالى أن يشفع له وأذن في ذلك ، ولم يرد إلا لمن رضي سائر عمله ، لأن من رضي سائر عمله لا يحتاج إلى شفاعة ، ويحتمل أن يكون وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] يعني لمن كان معه عمل مرتضى . والمؤمن معه أفضل الأعمال التي ترضى ، وإن كان عاصيا فاسقا ، وهو التوحيد والتصديق ، وقوله : لا إله إلا اللّه . والذي لا يرضى عمله أجمع هو الكافر ، فصحّ ما قلناه .