الشيخ محمد زاهد الكوثري

196

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

لما لم يكن له في ذلك كسب : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [ الأعراف : 155 ] فيجب على العبد عند خطئه وذنبه أن يرد اللوم والتقصير إلى نفسه وإلى وسوسة الشيطان ، ولا يرد ذلك إلى خلق اللّه تعالى وإرادته ، لأنه يصير كالمحتج عليه تعالى ، وليس لأحد عليه حجة : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) [ الأنعام : 149 ] . ومثل هذا قول أبيه آدم عليه السلام وحواء : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] فردا التقصير والنقص واللوم إلى أنفسهما ، لأن هذا موضع الأدب والتذلل ، لا موضع الاحتجاج ، ومثل هذا كثير . الجواب الثاني : أن الإجماع منا ومنكم : أن الوكزة ليست خلق الشيطان ولا عمله ، بل هي عندنا من خلق اللّه تعالى واختراعه ، ولموسى عليه السلام كسب . وعلى عقدهم النحس أنها خلق موسى وعمله ، وليس للّه فيها خلق ولا اختراع ولا عمل ، فبطل احتجاجهم بالآية ، ولم يبق إلا ما قلناه ، وهو أنه أراد بقوله : مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ المائدة : 90 ] أي زيّن ذلك وحسّنه لي ، واللّه المعين . فإن احتجوا بقوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النّساء : 79 ] فأوضح تعالى أن السيئة منا ، والحسنة منه ، فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أنه لا يصح لكم الاحتجاج معشر المعتزلة بهذه الآية بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب ؛ لأن ظاهرها فيه تعلق لمن يقول إن الخير خلق اللّه تعالى وفعله ، والشر خلقنا وفعلنا ، وأنتم لا تقولون بظاهر هذه الآية ، لأنكم تقولون إن أحسن الحسن وخير الخير الإيمان والمعرفة . وتقولون ليس للّه في هذا قدرة ولا خلق ، وإنما هو بقدرة العبد المؤمن وخلقه ، فلا حجة لكم فيها . الجواب الثاني : أن صريح النص في أول هذه الآية حجة عليكم ، لأنه يقال : رد عليهم ، وأمر نبيه عليه السلام أن يرد عليهم ، بقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النّساء : 78 ] ثم جهلهم وإياكم ، وأكد ذلك بقوله : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النّساء : 78 ] فصارت الآية حجة واضحة عليكم لا لكم . الجواب الثالث : قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النّساء : 79 ] وهذا صحيح من وجهين : أحدهما : أن مثله في القرآن كثير . من ذلك قوله تعالى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] تقديرا لكلام يقولون ربنا