الشيخ محمد زاهد الكوثري

197

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

ما خلقت هذا باطلا . ومثله قوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ [ الأنعام : 93 ] ومثله أيضا قوله تعالى : الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ [ آل عمران : 106 ] تقدير الكلام فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [ آل عمران : 106 ] فيقال لهم : أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ [ آل عمران : 106 ] فكذلك هذا ، فتقدير الكلام فيه لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ [ النّساء : 78 ] فيقولون : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ [ النّساء : 79 ] . الوجه الثاني : أن هذه الآية إن لم تحمل على ما قلناه صار بعضها ينقص بعضا ويخالف بعضا ، وليس في كتاب اللّه تعالى مناقضة ولا اختلاف ، فصحّ ما قلناه ؛ لأنه قال في أول الآية : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النّساء : 78 ] ثم يرجع في سياقها فيقول : لا إنما البعض مني والبعض من خلقي ، كلا واللّه ، بل ذكر ذلك في سياق الآية تجهيلا لقائله وردا عليه . فافهم الحق وادفع به الباطل . فإن احتجوا فقالوا : وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا فوجب أن يكون خلقا لنا وفعلا لنا . قالوا : وبيان ذلك أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام ، وإذا أراد أن يقعد قعد . وإذا أراد أن يتحرك تحرك ، وإذا أراد أن يسكن سكن ، وغير ذلك ، فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته دلّ على أن أفعاله خلق له ، وفعل له ، فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذا غير صحيح أولا ، فإنا نرى من يريد شيئا ويقصده ولا يحصل ما يريد ولا ما يقصد . فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة فيضعف ويمرض ، وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر ، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه ، إلى غير ذلك . فبطل ما ذكرتموه ، وصحّ أن فعله خلق لغيره ، يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى ، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة . والخلق من الخالق « 1 » . الجواب الثاني : أن وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم لا يدل ذلك على أنه خلق لهم واختراع ، ألا ترى أن مشي الفرس والدابة يحصل على قصد الراكب وإرادته من عدو ، وتقريب ، واستطراف ، ووقوف ، إلى غير ذلك . ولا يقول

--> ( 1 ) وأما إرادة العبادة للفعل فهي مدار تكليفه ، وهي بيده . جعلها اللّه هكذا تحقيقا لمسئولية العبد عن أفعاله . وهي متقدمة تقدما ذاتيا على الخلق . كما جرت عادة اللّه على ذلك . فيكون اختيار العبد بعيدا عن سمة الجبر ( ز ) .