الشيخ محمد زاهد الكوثري
184
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
نعم . فقد أقروا بصريح الكفر للتشبيه ، وإن قالوا : يرى وليس بجسم ، ولا جوهر ولا عرض ولا يشبه شيئا من المرئيات . قلنا : فكذلك كلامه قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة ، وليس بحروف ولا أصوات ، ولا يشبه بشيء من المسموعات ، فكما أنه يرى على الحقيقة ولا تكييف لكلماته . فاتقوا اللّه وقفوا عند حدوده ، ولا تكونوا ممن قال فيهم : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 229 ] . وتمسكوا بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : 11 ] . ثم نقول لهم : أليس اللّه تعالى قد سمّى نفسه بانيا ، وهو بان على الحقيقة ، لأنه قال : أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) [ النّازعات : 27 ، 28 ] ولم نر بانيا على الحقيقة ، إلا بآلة من عدة وآجر ، وحجر وخشب وغير ذلك : أفتقولون إنه مفتقر في بناء السماء إلى ذلك ، حتى يكون قد بنى على الحقيقة . فإن قالوا : نعم ، كفروا لا محالة ، وإن قالوا : هو بناء منه على الحقيقة ولا يفتقر فيه إلى آلة وعدة . قلنا : وكذلك كلامه مسموع منه على الحقيقة بواسطة وغير واسطة ، ولا يفتقر في إسماعه إيانا إلى آلة من حروف وأصوات وغير ذلك . * * * فصل [ تفسير قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسافروا بالقرآن » ] فإن احتجوا بجهلهم أن الصفة القديمة تحل في الظروف والأوعية كحلول الشيء المخلوق في الشيء المخلوق . فتفسير هذا القول منهم - لو عقلوا - كان إقرارا منهم بخلق اللّه تعالى ، لأن القديم لا يتصور عليه النقلة ، والتحويل ، وتفريغ مكان ، وإشغال مكان ، وأمكنة ، وحصر ، وعد ، وإفساح ، وفراغ ، فإن أصروا على الجهل والضلال واستدلوا على حلول كلام اللّه القديم في المخلوقين بما يظنون حجة لهم ، وهو جرأة ، وحجة عليهم ، أقروا بقول إخوانهم من النصارى ، بل زادوا عليهم في سوء الاعتقاد ، وخبث المذاهب والمقال على ما سنبينه في ثاني الحال ، إن شاء اللّه . فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو » قالوا : فصحّ أن الكلام القديم يصح عليه الحلول والنقلة والتحول ، فالجواب من وجوه عدة : أحدها : أنه صلى اللّه عليه وسلم أراد بذلك المصحف ، لأنه قد بيّن ذلك فقال « مخافة أن تناله أيديهم » ولم يرد أن كلام اللّه القديم انتقل ولا تحول من بلاد الإسلام إلى بلاد العدو ،