الشيخ محمد زاهد الكوثري
185
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
والمصحف قد يسمى قرآنا ، لأن فيه كتابة القرآن ، وقد روي ذلك صريحا عنه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه كتب إلى عمرو بن حزم : « ولا يمس القرآن إلا على طهارة » فأراد بذلك : المصحف الذي حلّ فيه كتابة كلام اللّه القديم لا يجوز عليه المس بالأيدي . جواب آخر : وهو أنه أراد لا تسافروا بكتابة القرآن ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، كما قال تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [ يوسف : 82 ] يعني أهل القرية وَالْعِيرَ [ يوسف : 82 ] يعني أهل العير . وقوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النّساء : 43 ] قال أكثر أهل العلم موضع الصلاة . وقد قال تعالى : وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [ الإسراء : 60 ] أراد الملعون أهلها في القرآن . وكذلك قال : وَالطُّورِ ( 1 ) [ الطّور : 1 ] وَالضُّحى ( 1 ) [ الضّحى : 1 ] وجميع الأقسام إنما معناها ورب الطور ورب الضحى ، وهذا كثير جدا في كلام العرب ، يحذفون لعلمهم بفهم أهل اللسان والبيان ذلك ، وأنهم ليسوا كأهل الجهل والهذيان ، والعرب تقول : بنو فلان تطؤهم الطريق ، يريدون يطؤهم أهل الطريق ، وأبين من هذا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ [ الأحزاب : 57 ] يريد أنبياء اللّه وأولياء اللّه . وجواب آخر وهو : أنا نعلم - وكل عاقل يعلم - أن الرسول عليه السلام إنما أراد بالقرآن هاهنا شيئا محترما يتصون عليه من الأيدي ، ولم يرد نفس كلام اللّه القديم ، والذي يدل على صحة ذلك : أن الحافظ للقرآن : القرآن في صدره عندنا حفظا ، لا أن كلام اللّه القديم يحل في صدر الحافظ حلول الجسم في الجسم ، وعندهم - على حسب عقدهم - أنه حال في صدور الحافظ كحلول الشيء في الشيء ، ومع ذلك فإن الرسول ما نهى أحدا من الحفاظ أن يدخل بلاد العدو ، فلم يبق إلا أنه صلى اللّه عليه وسلم أراد مصاحف القرآن التي يتصور عليها نيل أيدي العدو ، ولم يرد أن القديم يحل في المخلوق حلول الجسم في الجسم - حاشاه من ذلك صلى اللّه عليه وسلم . * * * فصل [ تفسير قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو جعل هذا القرآن في إهاب » ] فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو جعل هذا القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق » قالوا : وقد أطلق عليه صلى اللّه عليه وسلم أن القرآن يجعل في الإهاب ، فدلّ على أنه حال . فالجواب أن أهل العلم رضي اللّه عنهم ذكروا في ذلك ثلاثة أقوال :