الشيخ محمد زاهد الكوثري

182

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

جواب آخر : وهو أنه قد روي من الأخبار والآثار ما لا يحصى عددا أن الصوت مخلوق ، وأنه صفة القارئ لا صفة الباري ، فمن ذلك ما روى ابن جريج عن الزهري أنه قرأ بين يديه يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [ فاطر : 1 ] فقال : هو الصوت الحسن . فقال الأوزاعي رحمه اللّه أنه قال : ليس أحد من خلق اللّه أحسن صوتا من إسرافيل ، قيل : فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات تسبيحهم وصلاتهم . وقال أبو العالية : قال موسى صلى اللّه عليه وسلم لقومه : قدسوا بأصوات حسنة ، فإنه أسمع له ، فأضاف الصوت إلى المقدسين لا إلى المقدس . وقال مالك « 1 » بن دينار في قوله تعالى : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 25 ] قال : يقيم اللّه داود عليه السلام عند ساق العرش ، فيقول : يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم ، فيقول : كيف أمجدك به وقد سلبتنيه في دار الدنيا ؟ قال : فيقول جلّ وعز : إني أرده عليك . قال : فيرده عليه ، فيزداد صوته حسنا ، فيأخذ في التمجيد ، فيستفرغ داود نعيم الجنان ؛ يعني يشتغل أهل الجنة بحسن صوته عن نعيمهم . فالصوت الحسن المردود المسلوب الرخيم صفة داود عليه السلام التي يمجد بها ويقدس بها ، والممجد المقدس هو اللّه تعالى الخالق لداود ولصوته ولسائر الأصوات . وروي أن عمر رضي اللّه عنه كان يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي المهاجرين والأنصار . وقال أبو عثمان النهدي رضي اللّه عنه : صلّى بنا أبو موسى صلاة الصبح فما سمعت بصوت ولا بربط أحسن صوتا منه . وتبين من هذه الآثار المروية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه جعل الصوت صفة للقارئ لا للّه تعالى ، فقد روي عنه في هذا المعنى ما لا يحصى عددا ، فمن ذلك : ما روت عائشة رضي اللّه عنها قالت : قام رجل من الليل فرفع صوته بالقرآن ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لقد أذكرني كذا . وكذا آية » قال أبو ذر : كان لي جار وكان يرفع صوته بالقرآن فشكوته إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان يقال له ذو البجادين فقال : « دعه فإنه أوّاه » وكان أسيد بن حضير من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقرأ ليلة وفرسه مربوط عند رأسه ، وابنه نائم إلى جنبه ، فدار الفرس في رباطه ، فقرأ فدار الفرس في رباطه ، فانصرف وأخذ ابنه وخشي أن يطأه الفرس ، فأصبح فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اقرأ أسيد فإن الملائكة لم تزل تسمع صوتك » وروى ابن سابط قال : أبطأت عائشة رضي اللّه عنها على

--> ( 1 ) لم يرفعه إلى المعصوم ( ز ) .