الشيخ محمد زاهد الكوثري
172
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
حينئذ أن قراءة القراء للقرآن بحروف وأصوات غير الحروف والأصوات التي تعنون ؛ فإذن ليس عندنا كلام اللّه تعالى ، بل هو غائب عنا ، لأن أصوات القراء وحروفهم هذه هي المعهودة الجارية في كلام الخلق . وكذلك أيضا يجب أن لا يكون في المصحف قرآن ؛ لأن الحروف التي فيه هي الحروف المعهودة الجارية في خطوط الخلق ، وكل هذين القولين باطل ؛ فثبت أن الحروف والأصوات يقرأ بها الكلام القديم ويكتب بها الكلام القديم ، لا أنها نفس الكلام . ثم يقال لهم : خبرونا : أيصح خروج حرف من غير مخارج ؟ فإن قالوا : لا . قلنا : فتقولون إن الباري - تعالى عن قولكم - ذو مخارج من شفة للفاء ؛ وحلق للحاء ؛ ولسان للثاء ؛ وإن قالوا : نعم جسموا بإجماع المسلمين « 1 » ؛ وإن قالوا : لا تحتاج الحروف إلى مخارج ؛ فقد كابروا الحس والعيان مع قولهم بصحة الخبر المروي بزعمهم ، وذلك أن كلامه منه خرج ، وكلامه عندهم حروف ، فيجب على قولهم أن يكون خروجها من مخارج ؛ وكل هذا القول كفر وضلال ، وسفه وحمق وجهل عظيم . * * * فصل [ اختلاف المفسرين في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور على ثمانية أقوال وبيان تلك الأقوال ] فإن احتجوا بقوله تعالى : حم ( 1 ) [ غافر : 1 ، فصلت : 1 ، الشورى : 1 ، الزخرف : 1 ، الدخان : 1 ، الجاثية : 1 ، الأحقاف : 1 ] و ألم ( 1 ) [ البقرة : 1 ، آل عمران : 1 ، العنكبوت : 1 ، الروم : 1 ، لقمان : 1 ، السجدة : 1 ] ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور ، وقالوا بالإجماع إن هذا كلام اللّه ، فصحّ أن كلامه حروف ، قلنا : الجواب عن هذا من وجوه : أحدها : إن أردتم بقولكم إنها كلام اللّه تعالى ، بما تزعمون من الإجماع أن نفس صورة الألف ، ولام ، وميم نفس الكلام القديم ، فلا قائل بهذا غير جهالكم الذين لا فهم لهم ولا عقل ، لأن هذا القول منهم يؤدي إلى أن الكافر المشرك يقدر أن يوجد القديم ويفعل القديم ، لأن كل كافر كاتب يقدر أن يكتب صورة ألف ويلفظ بألف ، ومن عظيم الجهل أن يكون عبد مخلوق مربوب يقدر أن يوجد القديم ويفعل
--> ( 1 ) فتعسا لمن عزا إلى أحمد - كما سبق - سماع موسى التوراة من اللّه من فيه ، كما في طبقات الحنابلة لأبي الحسين بن أبي يعلى في ترجمة الإصطخري ؛ وذكره ابن بدران أيضا في المدخل . نعوذ باللّه من الخذلان ( ز ) .