الشيخ محمد زاهد الكوثري

137

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

القرآن كثير ، فإن اللّه تعالى قال فيما أخبر به عن داود وسليمان عليهما السلام : يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النّمل : 16 ] ولم يؤتيا سماء ولا أرضا ، ولا شمسا ولا قمرا ولا جنة ، ولا نارا ، ولا ملائكة ، ولا عرشا ، ولا غير ذلك ، وإنما أراد أوتينا من كل شيء ينبغي لمثلنا . وكذلك قوله في قصة بلقيس : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النّمل : 23 ] ومعلوم أنها لم تؤت النبوة ، ولا تسخير طير ، إلى غير ذلك ؛ إنما أراد به الخصوص دون العموم ، لأنها ما دمرت هودا ، ولا السماء ، ولا الملائكة ، ولا الجبال ، إلى غير ذلك . قال الشريف الأجل جمال الإسلام : ووقع لي جواب أخصر من هذا وأجود إن شاء اللّه وهو : أن يقول : الآية حجة عليكم ، وأن القرآن ليس بمخلوق ، وذلك أنه سبحانه وتعالى أفرد الخالق من المخلوق ، فسمّى نفسه خالقا ، وسمّى كل شيء دونه مخلوقا ، فالخالق بجميع صفات الذات ، غير مخلوق ، لأن الاسم هو المسمى ، على ما قررنا ، وهذا صحيح ، لأن الخالق هو اللّه العالم ، القادر ، المريد ، المتكلم ، وكلامه هو القرآن ، فدلّ على أنه غير مخلوق ، ولا داخل في الأشياء المخلوقة ، والذي يفهم من ذلك ؛ فإن كل عاقل يعلم أنه يصنع كل شيء غير ذاته بصفاتها من قدرته ، وحياته ، وعلمه ، وكلامه . وكذلك إذا قيل [ آخذ ] الملك اليوم كل أحد ، وصغر كل صفة وحقرها ومعلوم [ أن ذاته ما دخلت ] في المفعولين ولا دخلت صفاته في التحقير والتصغير فكذلك قوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرّعد : 16 ] يعني غير ذاته ، وذاته قديمة غير مخلوقة بجميع صفاتها ، فصحّ أن الآية حجة عليهم لا لهم . فإن احتجّوا بقوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] فوصفه بالحدث والحدث هو الخلق . الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الآية حجة عليهم ، لأنها تدل على أن من الذكر ما ليس بمحدث ، لأنه لم يقل ما يأتيهم من ذكر إلا كان محدثا . فثبت أن من الذكر ما هو قديم ليس بمحدث ، فيجب أن يكون القرآن ؛ لأن الإجماع قد وقع على أن كل ذكر غيره مخلوق ، فلم يبق ذكر غير مخلوق . غير كلامه ، سبحانه وتعالى . الجواب الثاني : أن الذكر هاهنا يراد به وعظ الرسول صلى اللّه عليه وسلم لهم وتوعده لهم وتخويفه ، لأن وعظ الرسل عليهم السلام يسمى ذكرا . يدل عليه قوله تعالى : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) [ الغاشية : 21 ] ويقال : فلان في مجلس الذكر ، يعني في مجلس الوعظ . الذي يحقق ذلك ؛ أن قريشا لم تلعب عند سماع القرآن ، ولكنها