الشيخ محمد زاهد الكوثري

138

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

كانت تفحم عند سماعه ، حتى قال عتبة : واللّه لقد سمعت كلاما ما هو بالشعر ، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر ، وإن عليه لطلاوة ، وإن له لحلاوة . وفزعوا أيضا أن تفتتن عند سماعه نساؤهم وأولادهم ، حين كان يقرأ أبو بكر رضي اللّه عنه . الجواب الثالث : أنه أراد ما يأتيهم من نهي محدث مجدد بعد نبي إلا استمعوه وهم يلعبون ، هل هذا إلا بشر ، وقد سمّى اللّه تعالى رسوله ذكرا بقوله : رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ( 11 ) [ الطّلاق : 11 ] . فإن احتجوا بقوله تعالى : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ النّساء : 47 ] وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [ الأحزاب : 38 ] فالجواب : أنه تعالى أراد عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين ، وما حكم به وقدره من أفعاله ، وهذا بمنزلة قوله : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا [ هود : 40 ] يعني ما أمرنا به من زيادة الماء وإغراق الكافرين من قوم نوح عليه السلام ، ولم يعن ( قولنا ) وكذلك أيضا قال : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود : 97 ] يعني شأنه وأفعاله وطرائقه ، ولم يرد ( قوله ) وهذا بمنزلة قول القائل : فقلت لها أمري إلى اللّه كله * وإني إليه في الإياب لراجع يعني سري وأفعالي ، ولم يرد بذلك الأمر من القول ، وجمع هذا أمور ، وجمع الأمر من القول الأوامر ، ولولا عجزهم وجهلهم لم يلجئوا إلى مثل هذا التمويه على العوام والجهال مثلهم . ولو نظروا إلى قوله تعالى : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [ غافر : 44 ] تعالى أنه أراد أفعالي وأموري ، دون أمره الذي هو قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصّلت : 53 ] ورجعوا إليه . فإن احتجوا بقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزّخرف : 3 ] والمجعول مخلوق ، بدليل قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] أي خلقنا ؛ فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن معنى ذلك : إنما سميناه قرآنا عربيا ، والجعل يكون بمعنى التسمية ، بدليل قوله عزّ وجل : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) [ الحجر : 91 ] يعني سموه ؛ فبعضهم سماه شعرا ، وبعضهم سحرا ، وبعضهم كهانة ، إلى غير ذلك . ولم يرد أنهم خلقوه . وكذلك قوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) [ الزّخرف : 19 ] يعني سموهم وحكموا عليهم