الشيخ محمد زاهد الكوثري

136

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

ويدل عليه أيضا : إجماع الصحابة ، وهو أن عليا عليه السلام لما أنكر عليه التحكم وكفر الخوارج فقال بحضرة الصحابة : واللّه ما حكمت مخلوقا ، وإنما حكمت القرآن . ولم ينكر ذلك منكر ، فدل على أنه إجماع ، ولأنه لو كان مخلوقا : لم يخل أن يكون خلقه في نفسه أو في غيره أو في غير شيء ، ولا يجوز أن يكون مخلوقا في نفسه لأن ذاته لا تقوم بها المخلوقات والحوادث يتعالى عن ذلك علوا كبيرا . ولا يجوز أن يكون خلقه في غيره ، لأنه لو كان خلقه في غيره لكان ذلك الغير إلها ، آمرا ، ناهيا قائلا : يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) [ النّمل : 9 ] وهذا محال باطل ، ولا يجوز أن يكون خلقه في غير شيء ، لأنه يؤدي إلى وجود كلام من غير متكلم وهذا محال . فإذا ثبت بطلان هذه الثلاثة الأقسام لم يبق إلا أنه مخلوق ، بل هو صفة من صفات ذاته ، قديم بقدمه ، موجود بوجوده ، موصوف به ، فيما لم يزل وفيما لا يزال . ولا يجوز أن يباينه ، ولا يزايله ، ولا يحل في مخلوق ، ولا يتصف بالحول رأسا ، فاعلم ذلك وتحققه . فإن احتجوا بقوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرّعد : 16 ] وربما قرر عليك هذا السؤال والدليل ، كما قرره بشر المريسي على عبد العزيز المكي وهو : أنه قال له : أتقول إن القرآن شيء أوليس بشيء ؟ فقال : بل هو شيء فقال : يا أمير المؤمنين سلم أن القرآن مخلوق ، لأن اللّه تعالى قال : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرّعد : 16 ] . والجواب أن يقال : في أول [ الأمر أي ] شيء أردت بقولك إنه شيء [ فإن أردت ] أنه موجود ثابت فنعم ، وإن أردت بقولك إنه شيء كالأشياء من حيث خروجه من العدم إلى الوجود كالأشياء الموجودة بعد العدم فلا نقول ذلك . والموجود الثابت لا يدل على أنه مخلوق محدث ، فإن اللّه موجود ثابت دائم الوجود ليس بمخلوق . وأما الجواب على جملة خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فالمراد به الخصوص دون العموم فإنه « 1 » بعضه [ قطعا ] وأنه [ غير ] داخل في ذلك كما سمى نفسه ، فقال : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 12 ] ثم قال : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] ولا تدخل نفسه في ذلك ، وإنما المراد به كل نفس منفوسة مخلوقة كذلك قوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرّعد : 16 ] يعني مما يصح فيه الخلق والحدث ، وصفات ذاته قديمة بقدمه وموجودة بوجوده ، فلم تدخل في ذلك . ومثل هذا في

--> ( 1 ) أي فإن المراد بعض الشيء ( ز ) .