الشيخ محمد زاهد الكوثري

130

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وقد غلط من نسب [ إلى مذهب ] المحققين من الموحدين إبطال نبوة الأنبياء عليهم السلام بخروجهم من دار الدنيا . وليس ذلك بصحيح ، لأن مذهب المحققين : أن الرسول ما استحق شرف الرسالة بتأدية الرسالة ، وإنما صار رسولا واستحق شرف الرسالة والنبوة بقول مرسله : وهو اللّه تعالى : أنت رسولي ونبيي . وقول اللّه تعالى قديم لا يزول ولا يتغير . والدليل على صحة هذا أيضا : أنه صلى اللّه عليه وسلم سئل ، فقيل له : متى كنت نبيا ؟ فقال : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » فحاصل الجواب في هذا : أن شرف النبوة وكمال المنصب ثابت للأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين الآن ، حسب ما كان ثابتا لهم في حال الحياة ، لم ينثلم ولم ينتقص ، سواء نسخت شرائعهم أو لم تنسخ ، ومن راجع نفسه ولم يغالط حسه عرف وتحقق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم الآن لم يخاطب شفاها ، ولا يأمرهم ولا يكلمهم من غير واسطة ، لكن حكم شريعته وصحة نبوته ثابت لم ينتقض ، لأجل خروجه من الدنيا ، ولم تزل مرتبته ، ولا انخرمت رسالته ، ولا بطلت معجزته فاعلم ذلك وتحققه . مسألة ويجب أن يعلم : أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومقدّم خلق اللّه أجمعين ، من الأنصار والمهاجرين ، بعد الأنبياء والمرسلين : أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، لقوله تعالى : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [ التّوبة : 40 ] ولا أفضل من اثنين ثالثهما اللّه تعالى لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] وهو الصدّيق وأصحابه ، لما قاتل أهل الردة ، ولقوله تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [ الزّمر : 33 ] قيل في أصح التفاسير : الذي جاء بالصدق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وصدق أبو بكر الصديق ؛ يؤكد صحة هذا التفسير قوله صلى اللّه عليه وسلم : « قال الناس لي كذبت ، وقال أبو بكر صدقت » ويدل عليه قوله تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ الحديد : 10 ] والصديق رضي اللّه عنه أول من أنفق على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يؤكد هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن أمنّ الناس عليّ في نفس ومال أبو بكر الصديق ، ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر » . ويدل عليه قوله صلى اللّه عليه وسلم لأبي الدرداء « أتمشي أمام من هو خير منك ، واللّه ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ،