الشيخ محمد زاهد الكوثري
129
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
مسألة ويجب أن يعلم : أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق ، وأن شرعه لا ينسخ ، بل هو ناسخ لجميع من خالفه من الملل . والدليل على ذلك : ثبوت نبوته ، وصدق مقاله ، وقد أخبر بجميع ذلك . واعلم أن أكبر معجزاته القرآن العربي ، وفيه وجوه من الإعجاز : أحدها : ما اختص به من الجزالة ، والنظم والفصاحة الخارجة عن أساليب الكلام ، وتحدى به فصحاء العرب بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن الإتيان بمثله ، وهم أهل الفصاحة والبلاغة ، ولم يتأت لهم ذلك في مدة ثلاث وعشرين سنة . ومن وجوه الإعجاز في القرآن : اشتماله على قصص الأولين ، وما كان من أخبار الماضين ، مع القطع بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ، ولم يعهد منه صلى اللّه عليه وسلم في جميع زمانه تعاط لدراسة كتب ولا تعلّمها ، وقد نفى عنه سبحانه وتعالى ذلك بقوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ العنكبوت : 48 ] . ومن وجود الإعجاز : [ أن ] اشتمال القرآن على [ ما لا يحصى من ] علم غيوب متعلقة بالمستقبل ظاهر جلي ، مثل قوله تعالى : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] وقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [ الفتح : 27 ] ومثل قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] إلى غير ذلك ، من وجوه الإعجاز في القرآن كثير جدا . وله صلى اللّه عليه وسلم آيات ومعجزات سوى القرآن : كانشقاق القمر ، واستنزال المطر ، وإزالة الضرر من الأمراض ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتسبيح الحصى في يده ، ونطق البهائم ، إلى غير ذلك من المعجزات والآيات الخارقة للعادة - صلى اللّه عليه وسلم - رزقنا اللّه شفاعته ، وحشرنا في زمرته . مسألة ويجب أن يعلم : أن نبوات الأنبياء صلوات اللّه عليهم لا تبطل ، ولا تنخرم ، بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم إلى دار الآخرة ، بل حكمهم في حال خروجهم من الدنيا كحكمهم في حالة نومهم ، وحالة اشتغالهم ، إما بأكل أو شرب ، أو قضاء وطر . والدليل عليه : أن حقيقة النبوة : لو كانت ثابتة لهم في حالة اشتغالهم بأداء الرسالة دون غيرها من الحالات ، لكانوا في غيرها من الأحوال غير موصوفين بذلك .