الشيخ محمد زاهد الكوثري
116
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
ومثال ذلك : أنه سبحانه وتعالى لم يزل راضيا عن سحرة فرعون ، وإن كانوا في حال طاعة فرعون على الكفر والضلال ، لكن لما آمنوا في المآل ؛ بان بأن تعالى لم يزل راضيا عنهم ، وكذلك الصديق ، والفاروق رضي اللّه عنهما لم يزل راضيا عنهما في حال عبادة الأصنام ، لعلمه بمآل أمرهما وما يصير إليه من التوحيد ونصر الرسول والجهاد في سبيل اللّه تعالى . وكذلك لم يزل ساخطا على إبليس ، وبلعم ، وبرصيص ، في حال عبادتهم ؛ لعلمه بمآلهم وما يصير إليه حالهم . وقد سئل الجنيد رضي اللّه عنه عن قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [ الأنبياء : 101 ] فقال : هم قوم سبقت لهم العناية في البداية ، فظهرت لهم الولاية في النهاية . مسألة ويجب أن يعلم : أن العبد له كسب وليس مجبورا « 1 » بل مكتسب لأفعاله ؛ من طاعة ومعصية ؛ لأنه تعالى قال : لَها ما كَسَبَتْ [ البقرة : 134 ] يعني من ثواب طاعة وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] يعني من عقاب معصية . وقوله : بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [ الرّوم : 41 ] وقوله : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشّورى : 30 ] وقوله : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ( 45 ) [ فاطر : 45 ] . ويدل على صحة هذا أيضا : أن العاقل منا يفرق بين تحرك يده جبرا وسائر بدنه عند وقوع الحمى به ، أو الارتعاش ، وبين أن يحرك هو عضوا من أعضائه قاصدا إلى ذلك باختياره ، فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق اللّه تعالى . فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق ، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق ، وكما لا يقال للّه تعالى إنه مكتسب ، كذلك لا يقال للعبد إنه خالق .
--> ( 1 ) وبهذا يظهر أن كون العبد مجبورا في أفعاله ليس من مذهب الأشعري وأول من نطق بعزو ذلك إليه هو الفخر الرازي ، واهما في التخريج ، وادعاء ، كونه مجبورا من الخطورة بمكان ( ز ) .