الشيخ محمد زاهد الكوثري
117
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
مسألة ويجب أن يعلم : أن الاستطاعة للعبد تكون مع الفعل « 1 » لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه ، كعلم الخلق وإدراكهم ، لا يجوز تقديم العلم على المعلوم ، ولا الإدراك ، على المدرك . والدليل على ذلك : قوله تعالى : وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً [ الكهف : 101 ] يعني قبولا عند الدعوة . يعني : أنه لم يكن لهم استطاعة عند مفارقة الدعوة ، فيحصل معها القبول ، وأيضا قوله تعالى : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف : 67 ] وقول إبراهيم عليه السلام : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ [ إبراهيم : 40 ] فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكان يقول : قد جعلتك مقيما ، ولم يكن لسؤاله معنى ؛ لأنه سئل في شيء قد أعطيه وهو قادر عليه . وأيضا قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لم يكن للسؤال فيها معنى ، ولأن القدرة الحادثة لو تقدمت على الفعل لوجد الفعل بغير قدرة ؛ لأنها عرض ، والعرض لا يبقى ، ولا يصح أن يوجد بعد الفعل . وأيضا : لأنه يكون فاعلا من غير قدرة ، فلم يبق إلا أنها مع الفعل . مسألة ويجب أن يعلم : أن الرؤية جائزة عليه سبحانه وتعالى ، من حيث العقل ، مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة ؛ تشريفا لهم وتفضلا ، لوعد اللّه تعالى لهم بذلك . والدليل على جوازها من حيث العقل : سؤال موسى عليه السلام ، حيث قال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] . ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء اللّه تعالى
--> ( 1 ) ومبنى ذلك : تجدد الأعراض ، لكن دليل التجدد غير تام ، ومذهب أبي حنيفة : تقدم الاستطاعة على الفعل ؛ بمعنى سلامة الآلات الصالحة للفعل والترك ، والمعتزلة مع أبي حنيفة في هذا ، وحاول الفخر الجمع بين الرأيين : بأن القوة العضلية سابقة ، والقدرة المستجمعة لشرائط التأثير مع الفعل ، فلا ينافي أحدهما الآخر في نظره ، لأن مجرد القوة العضلية غير كاف في صدور الفعل ما لم يرده سبحانه اتفاقا ، وإرادته تعالى هي تركه العبد يمضي فيما اختاره ، كما ذكره عبد القاهر البغدادي ، فلا تكون في ذلك سمة جبر ، ما دام فعل العبد مستندا إلى اختياره نفسه ، والقوة العضلية هي مدار التكليف ، وهي صالحة للفعل والترك ، والقدرة المستجمعة لشروط التأثير غير صالحة إلا لأحدهما ، فيكون الوجوب في هذا من قبيل الضرورة بشرط المحمول ، فلا يكون من الضرورة في شيء ( ز ) .