الشيخ السبحاني

344

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

يقول صلى اللّه عليه وآله : « إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن ، فإنه شافع مشفّع » « 1 » . فالشفاعة هنا بنفس معناها اللغوي ، وذلك أنّ المكلّف يضم هداية القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمة ، إلى إرادته وسعيه ، فيفوز بالسعادة الأخروية . وهذا غير الشفاعة المصطلحة فإنّ ظرفها هو الحياة الأخروية ، فبين الشفاعتين بون بعيد . 3 - الشفاعة المصطلحة حقيقة هذه الشفاعة لا تعني إلا أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده ، وليس هذا بأمر غريب فكما أنّ الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه ، تصل إلى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه وكتبه ، فهكذا تصل مغفرته سبحانه إلى المذنبين والعصاة من عباده ، يوم القيامة ، عن ذلك الطريق ولا بعد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة ، عن طريق عباده ، فإنه سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سببا لذلك وقال : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً « 2 » . وتتضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق ، وبخاصة دعاء الصالحين ، من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول ، ولا تنحصر العلة في المحسوس منها ، فإنّ في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا ، بل قد تكون بعيدة عن تفكيرنا ، وإليه يشير قوله سبحانه : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً « 3 » .

--> ( 1 ) الكافي ، ج 2 ص 238 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 64 ولاحظ يوسف : الآية 97 و 98 ، التوبة : الآية 103 . ( 3 ) سورة النازعات : الآية 5 .