الشيخ السبحاني
34
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وقوفهم على هذه المعارف في ظل ما وصل إليهم من التعاليم السماوية عن طريق رسله سبحانه وأنبيائه . الأمر الثالث - ضالة العلم الإنساني في التعرف على المصالح والمفاسد . ربما يتصور أن الهدف الوحيد من بعثة الأنبياء ، هو هداية الناس إلى المبدأ والمعاد ، وما في المبدأ من صفات جمال وجلال ، ولكن هذه الفكرة نصرانية بحتة ، فإن هدف الأنبياء أوسع من ذلك ، فإنهم قد بعثوا - مضافا إلى ما مرّ - لهداية الناس إلى وسائل السعادة والشقاء ، فلأجل ذلك حثّوا على الأخلاق والمثل العليا في الحياة ، كما بيّنوا مصالح العباد ومفاسدهم الفردية والاجتماعية ، ولذا كانت برامجهم تتسع وتتكامل بتكامل المجتمعات البشرية ، حتى ختم التشريع بخاتم الأنبياء ، وتبيّنت معالم الهداية في كافة الجوانب . والذي يحتم ضرورة هذا الهدف قصور العلم الإنساني عن تشخيص منافع البشر والمجتمعات ومضارّها ، ويدل على ذلك : أولا - إن المجتمع الإنساني - مع ما بلغه من الغرور العلمي - لم يقف بعد على ألفباء الاقتصاد . فقد انقسم العالم الحديث إلى طائفتين : واحدة تزعم أن سعادة البشرية في نظام الرأسمالية والاقتصاد الحر المطلق ، وانه هو العامل الوحيد لرفاه المجتمعات وتفجّر الطاقات . والأخرى تدّعي أنّ سعادة البشر في النظام الاشتراكي بدء والشيوعي غاية ، فالسعادة كلها في سلب الملكية عن أدوات الإنتاج وتفويضها إلى الدولة الحاكمة . فلو كان الإنسان قادرا بحق على تشخيص المصالح والمفاسد ، وما ينفعه وما يضره ، لما حصل هذا الاختلاف ، الذي انجر إلى انقسام خطير بين دول العالم . ثانيا - وكما أن الإنسان لم يصل إلى النظام الاقتصادي النافع له ، فهو كذلك