الشيخ السبحاني
90
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
ولا شك أن ليس المقصود بالمالكية ، مطلق المالكية ، فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لا يكون أبدا موجبا لصيرورة الخضوع عبادة . والبشر في عصور « العبوديات الفردية » بالأمس ، و « العبودية الجماعية » في الحاضر ، لا يعدون امتثالهم لأوامر أسيادهم عبادة . وإنما المقصود من المملوكية هنا ، القائمة على أساس الخلق والتكوين والتسلّط على شأن من شؤون التكوين . فالمالكيات الحقيقية لها مناشئ مختلفة وهاك بيانها : 1 - قد يوصف بالمالكية لكونه خالقا ، ومن هنا يكون اللّه سبحانه مالكا حقيقيا للبشر لأنه خالقه وموجده من العدم . ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة عبيدا للّه ، ويصفهم تعالى بأنه مالكهم الحقيقي وذلك لأنه خلقهم ، إذ يقول سبحانه : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً « 1 » . ولأجل ذلك أيضا نجده سبحانه يأمرهم بعبادة نفسه معللا بأنه هو ربّهم الذي خلقهم دون سواه ، إذ يقول : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 2 » ويقول جل شأنه : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ « 3 » . 2 - ويوصف بالمالكية لكونه رازقا ومحييا ومميتا ، ولذلك يحس كل إنسان سليم الفطرة بمملوكيته للّه تعالى ، لأنّه سبحانه مالك حياته ومماته ورزقه . ومن هنا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية اللّه تعالى لرزق الإنسان وأنه تعالى هو الذي يميته وهو الذي يحييه ، ليلفته من خلال ذلك إلى أنّ اللّه هو الذي يستحق العبادة فحسب ، إذ يقول عزّ من قائل : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ « 4 » . ويقول سبحانه : هَلْ لَكُمْ مِنْ ما
--> ( 1 ) سورة مريم : الآية 93 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 21 . ( 3 ) سورة الأنعام : الآية 102 . ( 4 ) سورة الروم : الآية 40 .